الأحد 24 مايو 2026 م - 7 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : مصانع التنمية ومحركات الاقتصاد الحديث

السبت - 23 مايو 2026 03:01 م

رأي الوطن

20

تشهد سلطنة عُمان توسعًا متسارعًا في بناء المُدُن الصناعيَّة الحديثة؛ باعتبارها أحَد أهمِّ المحركات التي تعتمد عليها الدولة لتحقيق التنويع الاقتصادي، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص إنتاج وتشغيل واستثمار أكثر استدامة. ويظهر ذلك بوضوح في النجاحات المتواصلة التي تحققها المؤسَّسة العامة للمناطق الصناعيَّة «مدائن» داخل مدينة صحار الصناعيَّة، حيث يعكس توطين (48) مشروعًا جديدًا خلال عام 2025 بحجم استثمارات تجاوز (105) ملايين ريال عُماني حجم الثقة المتنامية في البيئة الاستثماريَّة العُمانيَّة. فالأرقام تتحدث عن مصانع جديدة، وعن تحوُّل اقتصادي كامل يجري بهدوء وثقة؛ حيث يكشف ارتفاع إجمالي الاستثمار التراكمي إلى (2.3) مليار ريال عُماني أنَّ المُدُن الصناعيَّة بدأت تتحول إلى مراكز اقتصاديَّة متكاملة قادرة على جذب الصناعات النوعيَّة، وتحفيز الإنتاج المحلِّي، ورفع مساهمة القِطاع الصناعي في الناتج المحلِّي. ومع اتساع المساحات المؤجَّرة وارتفاع أعداد العاملين، تتحول هذه المُدُن تدريجيًّا إلى مساحات تصنع حركة اقتصاديَّة يوميَّة يشعر بها السوق والمستهلك والقِطاع الخاص في آنٍ واحد، وهو ما يمنحها دورًا محوريًّا في دعم مستهدفات رؤية «عُمان 2040» وبناء اقتصاد يقوم على الإنتاج والمعرفة الصناعيَّة.

وترتبط قوَّة المُدُن الصناعيَّة الحديثة بقدرتها على توفير بيئة تشغيل مستقرَّة وقادرة على المنافسة، وهو ما تدركه سلطنة عُمان بصورة واضحة من خلال المشاريع التي تعمل «مدائن» على تنفيذها داخل مدينة صحار الصناعيَّة ضمن خطَّة التنمية الخمسيَّة الحادية عشرة. فمشروع إعادة تأهيل البنية الأساسيَّة، وتحديث الخدمات والمرافق يحمل رسالة اقتصاديَّة مهمَّة مفادها أنَّ المنافسة على جذب الاستثمارات تقوم على جودة البيئة التشغيليَّة، وكفاءة الخدمات، وسرعة الحركة اللوجستيَّة. كما يمنح مشروع مزرعة الطاقة الشمسيَّة بقدرة (97) ميجاواط دلالة مهمَّة على ارتباط الصناعة العُمانيَّة بالتحول نحو الطاقة النظيفة، خصوصًا في مرحلة يشهد فيها العالم سباقًا واسعًا نحو الصناعات منخفضة الانبعاثات وكفاءة الطاقة.. وفي عالم تتغير فيه قواعد الصناعة بسرعة، أصبحت الطاقة عنصرًا من عناصر النفوذ الاقتصادي، وهو ما يمنح المشاريع بُعدًا استراتيجيًّا يتجاوز حدود مدينة صحار نفسها، خصوصًا مع الاستفادة من الموقع الحيوي لميناء صحار وشبكات النقل والخدمات المرتبطة به.

ولعلَّ أكثر ما يكشف أهميَّة المُدُن الصناعيَّة الحديثة هو قدرتها على خلق حركة اقتصاديَّة تتجاوز أسوار المصانع نفسها؛ لأنَّ كل مشروع صناعي جديد يفتح الباب أمام عشرات الأنشطة المرتبطة به، من النقل والخدمات اللوجستيَّة إلى الإنشاءات والتوريد والخدمات الفنيَّة والتشغيليَّة. هذه الدائرة الاقتصاديَّة تمنح المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة فرصة حقيقيَّة للدخول في الاقتصاد الإنتاجي بدل البقاء داخل الأنشطة التقليديَّة محدودة النمو. كما يعكس التوسُّع الذي يشهده مجمَّع الصناعات البلاستيكيَّة «لدائن» وجود طلب متزايد على الصناعات التحويليَّة داخل الأسواق المحليَّة والإقليميَّة، وهو ما يؤكد نجاح البيئة الاستثماريَّة التي توفِّرها «مدائن» في جذب المستثمرين وتحفيزهم على التوسُّع الصناعي، والأهم من ذلك أنَّ هذه المُدُن أصبحت ساحات لنقل الخبرات والتقنيَّات الحديثة إلى السوق العُماني. فالصناعة الحديثة تنقل المعدَّات، جنبًا إلى جنب مع ثقافة الإدارة والإنتاج والانضباط والجودة، وهي عناصر تصنع فارقًا حقيقيًّا في بناء اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة.

إنَّ المُدُن الصناعيَّة أصبحت جزءًا من معادلة الأمن الاقتصادي الوطني وبناء القوَّة الإنتاجيَّة طويلة المدى؛ ذلك أنَّ الدول التي تمتلك قواعد صناعيَّة قويَّة تكون أكثر قدرة على مواجهة التقلبات الاقتصاديَّة العالميَّة، وتحقيق الاستقرار المالي وتوفير فرص العمل. ولهذا فإنَّ استمرار التوسُّع في تطوير المُدُن الصناعيَّة العُمانيَّة يُمثِّل استثمارًا مباشرًا في مستقبل الاقتصاد الوطني، خصوصًا مع المشاريع المرتبطة بسلاسل القيمة الصناعيَّة والتجمعات الاقتصاديَّة المتخصصة مثل مشروع الألمنيوم المتكامل في صحار الصناعيَّة، حيث تمنح هذه المشاريع الاقتصاد العُماني قدرة أكبر على تعظيم القيمة المحليَّة المضافة، وتحويل المواد الخام إلى صناعات ذات عوائد أعلى. العالم اليوم يُعِيد ترتيب خرائط النفوذ الاقتصادي على أساس الصناعة والطاقة وسلاسل الإمداد، والدول التي تملك قدرة إنتاجيَّة حقيقيَّة سوف تمتلك هامش حركة أوسع في السياسة والاقتصاد معًا، وعُمان تبدو وكأنَّها تتحرك بخطوات هادئة لبناء هذا الموقع داخل المنطقة.