الثلاثاء 26 مايو 2026 م - 9 ذو الحجة 1447 هـ

أمنية اللاجئين بعجل حنيذ.. هل تراجعت؟

أمنية اللاجئين بعجل حنيذ.. هل تراجعت؟
السبت - 23 مايو 2026 10:51 ص

طارق أشقر

50

نشرتُ في يوم الأحد الـ(11) من سبتمبر 2016 بهذه الزاوية «في الحدث» في (الوطن) الغرَّاء، مقالًا بعنوان «أغدًا هل لأطفال اللاجئين من عجل حنيذ؟»، حيث كان الغد المقصود حينذاك هو عيد الأضحى السعيد. وكنتُ قد استوحيت العنوان من القصيدة الغنائيَّة للشاعر السوداني الهادي آدم «أغدًا ألقاك» التي تغنت بها سيِّدة الغناء العربي أُم كلثوم.

تساءلت في ذلك المقال المنشور على الرابط https:/‏/‏alwatan.om/‏details/‏138188 عن هل من فرصة لأطفال اللاجئين بمختلف أنحاء العالم لكي يهنأوا بقدر من الفرح بالعيد وبلحوم الأضاحي، سواء كانت من لحم كبش سمين أو عجل حنيذ مشوي أو جمل لذيذ سنامه، فضلًا عن الملابس الزاهية والألعاب التي يتطلع الأطفال عادة للعب بها في في الأعياد.

فقد مرَّت عشر سنوات على تاريخ ذلك المقال وأطل عيد الأضحى لهذا العام، غير أن كل المؤشرات تشير إلى أن لاجئي الحقبة الحاليَّة يتطلعون إلى «جونيَّة عيش» وهي ربما تكون أقصى أمنياتهم، وليس لحم عجل حنيذ، فيما تظل أمنيتهم الأسمى أن يحل السلام في أوطانهم ليستقروا بها، وعلى أقل تقدير أن ينعموا بالأمان في مخيماتهم الحاليَّة دون تعرضهم لقذائف مَن ليس بقلوبهم رحمة تجاههم.

المؤلم حقًّا وبعد عقد كامل من ذلك المقال، لم ينجح العالم في تقليص المأساة الإنسانيَّة، بل تضاعفت أرقامها بصورة صادمة. ووفقًا لتقارير المفوضيَّة السَّامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قد كان عدد النازحين قسرًا حول العالم في عام 2016 يقارب (65) مليون إنسان، أما اليوم فقد تجاوز العدد حاجز (120) مليونًا بين لاجئ ونازح وطالب لجوء. وبين هؤلاء الملايين يقف الأطفال في الصفوف الأولى للمعاناة كأرواح صغيرة فقدت البيت والأمان والعائلة والطفولة معًا.

لقد كانت الحروب الكبرى قبل عشرة سنوات تبدو وكأنها محصورة نسبيًّا في سوريا والعراق واليمن وأفغانستان وليبيا ودولة جنوب السودان، وبعض مناطق الساحل والقرن الإفريقي. أما اليوم فقد اتسعت خريطة النزاعات لتشمل غزَّة ولبنان وأوكرانيا وإيران والسودان وميانمار والكونجو وغيرها، فضلًا عن تصاعد التوترات العابرة للحدود، في حين تعدت الحروب مفهوم المواجهات العسكريَّة التقليديَّة لتصبح أزمات مركبة تختلط فيها السياسة بالاقتصاد وبالمناخ والهجرة والجوع والانهيار الاجتماعي.

والأكثر وجعًا أن الأطفال أصبحوا الفئة الأكثر هشاشة داخل هذا العالم المضطرب، إذ يعيش ملايين الأطفال حاليًّا في مخيمات اللجوء بمناطق الصراعات بلا تعليم وبلا رعاية صحيَّة، وبعضهم افتقد أحد والديه أو كليهما، فيما بات آخرون عرضة للاستغلال أو لعمالة الأطفال أو الاتجار بالبشر؛ وذلك في ظل عجز المنظمات الدوليَّة على تلبية الاحتياجات الأساسيَّة.

والأقسى من كل ذلك يتزامن التوسع في المعاناة الإنسانيَّة مع تراجع الالتزامات الدوليَّة تجاه المنظمات الأمميَّة المعنيَّة باللاجئين والأطفال مثل مفوضيَّة شؤون اللاجئين ومنظمة اليونيسف؛ فهي تواجه فجوات تمويليَّة أجبرتها على تقليص برامج الغذاء والتعليم والحماية.

وعلى ضوء هذا الواقع ربما يصبح التمني بلحم عجل حنيذ نوعًا من الترف في التمني وهم في حاجة لمجرد وجبة تسد الجوع، وخيمة تقيهم حر الصيف وبرد الشتاء، ومدرسة تحفظ ما تبقى من أحلامهم الصغيرة.

يتضح هذا التردي بأحوال اللاجئين مع تغير أولويَّات العالم بصورة لافتة؛ إذ أصبحت الدول الكبرى أكثر انشغالًا بأزماتها الاقتصاديَّة وبصراعات النفوذ الدوليَّة، في حين تراجعت مساحة الالتزام الإنساني العالمي لتصبح المساعدات الإنسانيَّة بأحيان كثيرة خاضعة للحسابات السياسيَّة والجغرافيَّة أكثر من خضوعها لنداء الضمير الإنساني.

وعليه، وفي ظل تراجع فرص تحقيق أحلام اللاجئين بعالمنا اليوم، فإن ما يحتاجونه عاجلًا ليس الشفقة العابرة، بل إرادة دوليَّة حقيقيَّة تعيد الاعتبار لحق الإنسان في الحياة والأمن والاستقرار، في حين أن العجل الحنيذ أو «جونيَّة العيش» أو اللعبة أو الملابس الجديدة هي ليست أفضل ما يتمناه اللاجئون، بل أن يجدوا أنفسهم في أوطان آمنة دون خوف أو جوع أو انتظار للمساعدات الإنسانيَّة.

طارق أشقر

[email protected]

من أسرة تحرير « الوطن»