عندما كنتُ في زيارة لأحد معارض الجمعيَّات التي تقدِّم خدمات للحجاج بالمملكة العربيَّة السعوديَّة الشقيقة، استوقفتني التجارب الإبداعيَّة في خدمة الحجاج، ومن هذه التجارب وجود تخصيص في برامج أكاديميَّة لإدارة حشود الحجاج وهذا التخصيص في مجالات عدة مثل الهندسة، والإعلام والاتصال، والطب. فلم تَعُد المملكة العربيَّة السعوديَّة تنظر لإدارة حشود الحجاج بشكل تلقائي، بل وظفت التخصصات العلميَّة لإدارة حشود الحجاج، وخرجت بعلوم متخصصة في إدارة حشود الحجاج.
نعم.. الحج أحد أكبر التجمعات البشريَّة السنويَّة في العالم، حيث يفد ملايين المسلمين من مختلف الدول والثقافات إلى المسجد الحرام والمشاعر المقدسة لأداء مناسك الحج خلال أيَّام محدودة وفي أماكن محددة. هذا الحجم الهائل من الحشود يفرض تحديات تنظيميَّة وأمنيَّة وصحيَّة كبيرة، الأمر الذي جعل إدارة الحشود في الحج نموذجًا عالميًّا يُحتذى به في التخطيط والتنسيق، واستخدام التقنيات الحديثة لضمان سلامة الحجاج وراحتهم.
تعني إدارة الحشود مجموعة الإجراءات والخطط التي تهدف إلى تنظيم حركة الحجاج داخل الأماكن المزدحمة بطريقة تقلل من المخاطر وتضمن انسيابيَّة التنقل. وفي موسم الحج تبرز أهميَّة هذه الإدارة بسبب كثافة الأعداد وتزامن تحركات الحجاج في أوقات معيَّنة، مثل الطواف والسعي ورمي الجمرات والوقوف بعرفة. لذلك تعمل الجهات المختصة في المملكة العربيَّة السعوديَّة على إعداد خطط دقيقة تعتمد على الدراسات الميدانيَّة والخبرات المتراكمة من المواسم السابقة.
ومن أبرز وسائل إدارة الحشود في الحج استخدام التكنولوجيا الحديثة. فقد أصبحت الأنظمة الذكيَّة عنصرًا أساسًا في متابعة حركة الحجاج وتنظيمها، مثل كاميرات المراقبة، والذكاء الاصطناعي، وتطبيقات الهواتف الذكيَّة التي تساعد الحجاج على معرفة أوقات التنقل ومساراتهم المناسبة. كما تستخدم الخرائط الرقميَّة وأجهزة الاستشعار لتحليل الكثافات البشريَّة، والتدخل السريع عند حدوث ازدحام في أي موقع. وقد أسهمت هذه التقنيَّات في تقليل الحوادث ورفع مستوى السلامة بشكل ملحوظ.
كذلك تعتمد إدارة الحشود على التخطيط الزمني وتوزيع الحجاج إلى مجموعات، بحيث يتم تحديد أوقات معيَّنة لتنقل كل مجموعة بين المشاعر المقدَّسة. ويظهر ذلك بوضوح في تنظيم رمي الجمرات، حيث يتم تقسيم الحجاج إلى أفواج وفق جداول زمنيَّة دقيقة لمنع التكدس. كما أن تصميم البنية الأساسيَّة، مثل الجسور والأنفاق والقطارات، يؤدي دورًا مهمًّا في تسهيل حركة الملايين خلال وقت قصير.
ولا تقتصر إدارة الحشود على الجانب الأمني فقط، بل تشمل أيضًا الجوانب الصحيَّة والخدميَّة. فوجود هذا العدد الكبير من الناس في مساحة محدودة يتطلب توفير خدمات طبيَّة متكاملة، ومراكز إسعاف، ومستشفيات ميدانيَّة مجهزة للتعامل مع الحالات الطارئة. إضافة إلى ذلك، تُبذل جهود كبيرة في مجالات النظافة، وتوزيع المياه والطعام، والإرشاد والتوعية بلُغات متعددة حتى يتمكن الحجاج من أداء مناسكهم بسهولة وأمان.
ومن الجوانب المهمة أيضًا دور العنصر البشري في نجاح إدارة الحشود. فآلاف الموظفين والمتطوعين ورجال الأمن يعملون على مدار الساعة لتوجيه الحجاج وتقديم المساعدة لهم. ويحتاج هؤلاء إلى تدريب مستمر على مهارات التواصل وإدارة الأزمات والتعامل مع الحشود المتنوعة ثقافيًّا ولُغويًّا. كما تسهم حملات التوعية قبل الحج في تعريف الحجاج بالتعليمات والإرشادات التي تساعد على تقليل الازدحام وتحقيق الانسيابيَّة.
وقد أثبتت التجارب أن نجاح إدارة الحشود في الحج يعتمد على التكامل بين التخطيط والتقنيَّة والتعاون الدولي. فكل دولة ترسل بعثات حج تعمل بالتنسيق مع الجهات المنظمة لتسهيل شؤون حجاجها وضمان التزامهم بالتعليمات. وهذا التعاون يسهم في تقليل المشكلات وتحسين تجربة الحجاج عامًا بعد عام.
ومن العوامل التي تؤثر في نجاح إدارة الحشود تعاون وتنظيم بعثات الحج من جميع دول العالم، وتعَدُّ بعثة الحج العُمانيَّة من البعثات الحج التي تتميز بالتنظيم وجودة الإدارة، فقد حرصت سلطنة عُمان على تقديم جهود متميزة في خدمة الحجاج العُمانيين، والمساهمة في إنجاح موسم الحج. وتعمل الجهات المختصة في عُمان على تنظيم حملات توعويَّة قبل السفر، تتضمن شرح مناسك الحج وتعليمات السلامة وأهميَّة الالتزام بخطط التفويج والتنقل. كما توفِّر بعثة الحج العُمانيَّة خدمات إداريَّة وطبيَّة وإرشاديَّة لمرافقة الحجاج طوال الرحلة، بما يضمن راحتهم وسلامتهم.
كما تشارك الكوادر العُمانيَّة في التعاون والتنسيق مع الجهات بالمملكة العربيَّة السعوديَّة لتسهيل إجراءات الحجاج، خصوصًا فيما يتعلق بالنقل والإقامة والرعاية الصحيَّة. وقد استفادت السلطنة من التطور الرقمي في تسهيل تسجيل الحجاج ومتابعة بياناتهم إلكترونيًّا، ممَّا ساعد على رفع كفاءة التنظيم وتقليل المشكلات الإداريَّة. ويعكس هذا الدور حرص عُمان على تعزيز قيم التعاون الإسلامي، وخدمة ضيوف الرحمن بأفضل صورة ممكنة.
وتمثل إدارة الحشود في الحج تجربة إنسانيَّة وتنظيميَّة فريدة تجمع بين التخطيط الدقيق والتقنيَّات الحديثة والجهود البشريَّة المتواصلة. ومع التطور المستمر في وسائل الإدارة والتنظيم، أصبح موسم الحج أكثر أمانا وانسيابيَّة مقارنة بالماضي. كما أن التعاون بين بعثات الحج من مختلف الدول، ومنها سلطنة عُمان، يسهم في نجاح هذا الحدث العظيم وتمكين الحجاج من أداء مناسكهم بروح من الطمأنينة والسكينة. وتقبَّل الله من الجميع صالح أعمالهم.
نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
Najwa.janahi@