الاثنين 25 مايو 2026 م - 8 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

الحج بين النداء واللقاء «3»

الأربعاء - 20 مايو 2026 02:27 م

أيها القراء الكرام.. واستكمالًا لما بدأناه من رحلة الحج وقد وصلنا إلى المشاهد الكبرى والتي تبدأ وقتما يصل الحاج إلى مكة المكرمة، ـ نسأل الله أن يكتبه لنا جميعًا ـ فتبدأ ذروة الرحلة، حيث تتجسد المشاهد الكبرى للحج الأكبر في سلسلة من المناسك التي تحمل معاني قلبية عميقة، تتحوّل تلك المشاهد فيما بعد إلى ذاكرة وذكريات، تغرس في قلب الحاج درسًا خالدًا يربطه بالبيت الحرام كلما تذكر ذلك أو تحدث عنه، يجعله يشتاق إلى الزيارة مرة أخرى مهما تكررت الزيارات، قال الله تعالى:(وَإِذ جَعَلنَا ٱلبَيتَ مَثَابَة لِّلنَّاسِ وَأَمنا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبرَاهِـيم مُصَلّى..) (البقرة ـ 125)، وأول هذه المشاهد الطواف حول الكعبة المشرفة طواف القدوم سبعة أشواط، قال تعالى:(جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلكَعبَةَ ٱلبَيتَ ٱلحَرَامَ قِيَاما لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهرَ ٱلحَرَامَ وَٱلهَديَ وَٱلقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ) (المائدة ـ 97)، حيث يلتف الحجيج في دوائر متتابعة، الكل متعاون الكل متحاب الكل خاشع، لا يشغلهم إلا رضى بارئهم، وكأنهم يعلنون أنّ حياتهم كلها ليست لأحد إلا لله الواحد، فالطواف إعلان ولاء وبراء، وتجديد عهد وعقيدة، يتذكر به المؤمن مهما تاه في دروب الدنيا بإنّ مرجعه إلى الله، وأنّ قلبه لا يطمئن إلا حين يكون في حضرة الكعبة المشرفة، والمتأمل في هذا المشهد، يشعر أنّه نهر بشري يتدفّق حول الكعبة، ليتجلى الإعجاز العلمي في هذا التدفق وأنه صورة مصغّرة لدوران الكواكب حول محورها، بل وإن شئت قل ودوران الحياة حول غايتها الكبرى، ثم يأتي السعي بين الصفا والمروة، قال تعالى:(إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلمَروَةَ مِن شَعَائِرِ ٱللَّهِ فَمَن حَجَّ ٱلبَيتَ أَوِ ٱعتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيرا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) (البقرة ـ 158)، فسبحان الله ما أن يتأمل الإنسان هذا المشهد إلا وجد قلبه يرتوي بالأمل والصبر اللذين جسّدتهما السيدة هاجر أم سيدنا إسماعيل ـ عليهما السلام ـ حين انقطعت بها السبل، فسعت بين جبلي الصفا والمروة بحثًا عن الماء لابنها إسماعيل، فاستجاب الله لها وزمت زمزم، فالسعي بين الصفا والمروة هو استحضار حقيقي لمعنى الثقة بالله، واليقين بأنّ الفرج يأتي بعد الكرب لا محالة، والإيمان القلبي والعملي ليكون المؤمن توكّلًا على الله ساعيًا بين الرجاء والجهد، وبين الدعاء والعمل، وأنّه لا ينال الخير إلا إذا جمع بينهما، ثم يأتي المشهد الأعظم ألا وهو الوقوف بعرفة، قال تعالى:(لَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ أَن تَبتَغُواْ فَضلا مِّن رَّبِّكُم فَإِذَا أَفَضتُم مِّن عَرَفَات فَٱذكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلمَشعَرِ ٱلحَرَامِ وَٱذكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُم وَإِن كُنتُم مِّن قَبلِه لَمِنَ ٱلضَّالِّينَ) (البقرة ـ 198)، حقًّا إنه المشهد الأعظم، حيث يقف الحجيج في صعيد واحد، متجردين من كل شيء إلا من دعائهم ودموعهم على صعيد عرفات قلب الحج، اللحظات التي يفيض فيها الإنسان بصدقٍ وإخلاص، وكأنّه يقف بين يدي الله يوم القيامة، يتذكّر الإنسان بأنّ الدنيا زائلة، وأنّ المآل الحقيقي هو الوقوف بين يدي الله، وأنّ الحج ليس إلا تدريبًا على ذلك الموقف العظيم، ولذلك ترى الجميع يرفعون أيديهم بالدعاء يستغفرون ربهم يرجون رحمته ويخافون عذابه، ثم يفيضون من عرفات للمبيت بمزدلفة ورمي الجمار، قال تعالى:(.. فَإِذَا أَفَضتُم مِّن عَرَفَات فَٱذكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلمَشعَرِ ٱلحَرَامِ وَٱذكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُم وَإِن كُنتُم مِّن قَبلِهِ لَمِنَ ٱلضَّالِّينَ) (البقرة ـ 198)، يبيتون بمزدلفة، ويجمعون الحصى، وكأنّهم يجمعون عزائمهم لمواجهة شياطين الحياة، ثم يرمون الجمار بمنى، وهم يرمون يعلنون أنّهم لن يخضعوا لوساوس الشيطان بعد اليوم، كل هذه المشاهد الكبرى تجعل الحج لوحةً مرسومة في ذاكرة الحاج بأجمل ألوان العبادات، فالطواف يذكّر بالولاء، والسعي يعلّم الصبر، وعرفة يفيض بالخشوع، ومزدلفة ومنى يعلّمان المواجهة والثبات، كل جزء منها يكمّل الآخر، وكل رمزٍ منها يفتح بابًا من المعاني الخالدة.. وللحديث بقية.

د.محمود عدلي الشريف

[email protected]