.. فكل ذلك ممنوع في زمن الحج، وغيره، لكنه أكثر امتناعًا في زمن الحج، الذي لا يقبل جدالًا، ولا يتسع لحوارات لا قيمة لها في أعمال الحج، فلا مجال لعرض الخلافات الشرعية، ولا الجدالات الشخصية، ولا مجال لعرض ما لبعضنا من ميزات، نحو أنه مطلع، وقارئ في موضوع كذا من موضوعات الحياة، أو ظهور علامات الكبر، والصلف، وأنه صاحب القول في كذا، وكذا، وأنه المخترع الأول لكذا، وكذا، وأنه لا نظير له في عمل كذا، وكذا، كل ذلك يؤدي إلى إغارة الصدور، وحب الظهور، والحج مجال للتواضع، ووقت لهضم حق النفس، ورجاء القبول، ومساعدة الحجاج على طاعة الله، وحسن عبادته.. فلا مجال لجدال عقيم، ولا لنزاع لئيم، ولا وجود لإضاعة الوقت الثمين، وخصوصًا صبيحة عرفة، والاجتهاد في الذكر، والشكر، والتلاوة، والدعاء، والتسبيح، والتلبية؛ لإغاظة الشيطان، وحرقه في ذلك اليوم الكريم المبارك، يوم الحج الأعظم.
ثم ختمت الآية بمبدأ رباني، وحكمة إلهية ماضية في الخلق، وهي: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلْمُه اللُه)، وهنا (ما) شرطية مبهمة؛ لتشمل كل ما يمكن عمله من خير، حتى لو كانت خاطرة خيرة، سنحت ببال صاحبها، أو نية صامتة في عمل خير لأحد؛ ولذلك قال:(تفعلوا) أي: تؤدوا، أو تنووا أداء أي عمل، و(من) هنا صلة أي زائدة، دخلت لاستيعاب جميع أنواع الخيور في الكون، أي: جنس ألوان الخير التي تريدونها وتفعلونها، فإنها معلومة لله، مكتوبة في صحيفة العبد، محفورة في أوراق آخرته، ما دام نواها، وعملها، فدخول (من) فيه كناية عن رحمة الله بخلقه؛ حيث فتح لهم مجال الفعل الخير، والقول الحق، وأن كل خير نووه، أو فعلوه، أو قالوه ـ سجله الله عليهم، وكتبه لهم، وأثابهم عليه أضعاف ما نووه، وأمثال أمثال ما رجوه، وفيه كناية أيضًا عن سعة علم الله، وهيمنته على كل ما يحصل في كونه، ويصعد إليه من عباده أيام حجهم، والنهوض بتماسكهم، وطاعاتهم، وعباداتهم، فالله يراها، وتسجلها له ملائكته الكرام، المنتشرين في أرض المناسك كلها:(مكة المكرمة، وأرض عرفات، وأرض المزدلفة (جمع)، والمسجد الحرام، وأرض المشعر الحرام، وكل مكان يذهب فيه الحجيج في أرض الله، كله مسجل عليهم (يعلمه الله)، ثم جاء ختام الآية الكريمة بالتزود من التقوى؛ لأنها وقود الأعمال، وسبب قبولها، ومضاعفة ثوابها.
(وتزودوا): فعل أمر يقتضي سرعة الالتزام، ووجوب العمل، وضرورة التنفيذ، وهو كناية عن الالتزام الجماعي (فواو الجماعة في آخر الفعل) تشي بأن الأمر للجميع، ولا يشذ أحد عنه، ولا ينفك منه، ولا يجوز له البعد عن إخوانه حتى لا يتغلب عليه الشيطان، فالذئب لا يأخذ من الشياه إلا القاصية، الشاردة وحدها.
(فإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى): الفاء إما استئنافية، وإما هي الفاء التفريعية، أو التاء الفصيحة، أي: التي تفصح عن شرط مقدر محذوف مفهوم من السياق القرآني، أي: إن كنتم قد عقلتم ذلك فتزودوا منه، وخذوا زادكم من التقوى؛ لأنها خير زادكم، (فإن خير الزاد التقوى) هذا أسلوب توكيد، تضمن في طياته أسلوب تفضيل أي إن أخير، وأفضل، وأنجع زاد هو زاد التقوى، وطعام الإخلاص، والمراقبة، وهو نعم الزاد، والطعام، ونعم الإدام للخلق جميعًا.
(وَاتَّقُونِ يَا أُولي الألبابِ): هذا أسلوب أمر غرضه النصح، والعظة، والإرشاد، وأسلوب نداء للتشريف، والإكبار، ورفع المنزلة لكل حاج اجتهد، وأخذ بالأسباب، فنال الرضا والقبول، والمغفرة من رب الأرباب، حبيب العباد، وراحمهم يوم العرض، والتناد، والآية كناية عن الرحمة، وسعة المغفرة، وكمال الاعتداد بالعباد؛ حيث وصفهم ربهم بأولي الألباب، أي أصحاب العقول النيرة، والتفكير السديد، والقول الرشيد، والعمل الصالح المصلح الفريد، والآية تمتلئ بالأساليب اللغوية الإنشائية منها، والخبرية، فمنها الخبرية، مثل:(الحج أشهر معلومات ـ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ـ خير الزاد التقوى)، ومنها الإنشائية مثل: (أسلوب الشرط فمن فرض فيهن الحج...)، وأسلوب الشرط:(وما تفعلوا من خير...)، وأسلوب الأمر (وتزودوا)، وأسلوب التوكيد:(فإنّ خير الزاد التقوى)، وأسلوب التفضيل:(خير الزاد) أي: أخير، وأفضل، وأكبر زاد، وأسلوب الأمر:(واتقون)، وأسلوب النداء:(يا اولي الألباب)، وعلى ما في كل الأساليب، بنوعيها من دلالات، وحكم، وقيم، وأحكام، وآداب، وسلوكيات، وما تخللها من كنايات، وما دخلها من تعلق بأحرف الجر التي قامت بدور كبير في الربط بين الأفعال، والأسماء، ومتنت ما بين الكلمات، والعبارات، وماسكت بين الجمل في سبك وحبك، هو غاية في الجمال، وقمة في الجلال، وسمو في الكمال، جعل نسيج النص متكاملًا، ومتداخلًا، ومترابطًا، وجعل الآية تقرأ في نفس واحد من كمال ترابطها العضوي، وتماسكها النصي، بحيث صارت لحمة واحدة، وجملة واحدة، وذلك من شدة تداخلها دلاليًّا ومعنويًّا، وتماسكها لفظيًّا.
وهكذا هي آيات وخصائص الكتاب العزيز، وسمات لغة القرآن الكريم: ترابطًا، وتداخلًا، وسبكًا، وحبكًا، ودلالة، ومعاني، وسموا في الحكم والأحكام، ومصلحة الأنام، من الله الحكيم العلام.
نسأل الله أن يتم علينا وعليكم نعمة الحج، وأن يتقبله من الجميع، وألا يحرم أحدًا زيارة بيته الحرام، ومسجد نبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ مرارًا، وتكرارًا، حجًّا، وزيارة، واعتمارًا.
د.جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية