لقد ذكر الله تعالى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم الدار في سورة الحشر، ( وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الحشر: 9،» والذين تبوؤوا الدار والإِيمان نزلوا المدينة وقبلوا الإيمان من قبلهم من قبل المهاجرين وهم الأنصار يحبون من هاجر إليهم من المسلمين ولا يجدون في صدورهم حاجة غيظاً وحسداً مما أوتوا ممَّا أُوتي المهاجرون من الفيء وذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النَّضير بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلاَّ ثلاثة نفرٍ كانت بهم حاجة فطابت أنفس الأنصار بذلك فذلك قوله: ويؤثرون على أنفسهم أَي: يختارون إخوانهم المهاجرين بالمال على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة حاجةٌ وفاقةٌ إلى المال ومَنْ يوق شح نفسه مَنْ حُفظ من الحرص المهلك على المال وهو حرصٌ يحمله على إمساك المال عن الحقوق والحسد فأولئك هم المفلحون. الوجيز للواحدي (ص: 1083)».
يثرب يجدر بأول الذكر أن الله تعالى ذكر مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم باسمها القديم «يثرب» الذي كانت تسمى به قبل هجرة رسول الله إليها، « وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا الأحزاب: 13، معنى «وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ» أي من المنافقين «يا أَهْلَ يَثْرِبَ» أي يا أهل المدينة «لا مُقامَ لَكُمْ» أي لا قرار لكم هاهنا، ولا مكان تقومون فيه أو تقيمون «فَارْجِعُوا» أي عن الإيمان إلى الكفر، أو من عسكر رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى المدينة، «وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ» هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا نخاف عليها السّرّاق». الأساس في التفسير (8/ 4401)». وجاء في «المختصر في تفسير القرآن الكريم (1/ 419) «أي اذكر -أيها الرسول- حين قال فريق من المنافقين لأهل المدينة: يا أهل يثرب ـ اسم المدينة قبل الإسلام ـ، لا إقامة لكم عند سفح سَلْع قرب الخندق فارجعوا إلى منازلكم، ويطلب فريق منهم الإذن من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينصرفوا إلى بيوتهم بدعوى أن بيوتهم مكشوفة للعدو وليست بمكشوفة كما زعموا، وإنما يريدون بهذا الاعتذار الكاذب الفرار من العدوّ». وجاء أيضا في «التفسير الوسيط - مجمع البحوث (8/ 158) «ويثرب هي المدينة، وسميت يثرب باسم رجل من العماليق نزلها من قبل - كما قاله السهيلي - ولها عدة أَسماءٍ، منها: طابة، وطيبة، وقد كره بعض العلماءِ إطلاق لفظ يثرب عليها؛ لحديث رواه أحمد بسنده عن البراءِ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله» تفرد به أحمد».
أرض الله وقد جاء ذكرها في قوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا « النساء: 97،وقد فسر جملة أرض الله كثير من المفسرين على أنها المدينة المنورة ومنهم:ـ مقاتل بن سليمان في تفسيره (1/ 402) «قالُوا أَي قَالَت الملائكة لهم: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً من الضيق يعني أرض اللَّه المدينة». ومنهم الواحدي في «التفسير الوسيط (2/ 105)»قوله: «قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا» يعني: المهاجرة إلى المدينة مع المسلمين». ومنهم ابن أبي حاتم في تفسيره - محققا (3/ 1046)»عَنِ الضَّحَّاكِ قَوْلَهُ: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالَ: هُمْ أُنَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ، فَلَمْ يَخْرُجُوا مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَخَرَجُوا مَعَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ إِلَى بَدْرٍ، فَأُصِيبُوا يَوْمَئِذٍ فِيمَنْ أُصِيبَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ». ومنهم البغوي في تفسيره (2/ 273)»أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا» يَعْنِي: إِلَى الْمَدِينَةِ». وغيرهم الكثير من المفسرين ممن ذكر أن أرض الله المقصود بها المدينة المنورة، ومنهم من ذكر أنها الأرض على الإطلاق. وللحديث بقية.
محمود عدلي الشريف