الجمعة 22 مايو 2026 م - 5 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

الشعبوية وتدهور الذوق العام

الشعبوية وتدهور الذوق العام
الأربعاء - 20 مايو 2026 10:15 ص

د.أحمد مصطفى أحمد

10

من المصطلحات التي أصبحت شائعة في أيَّامنا هذه وصف سياسات اليمين المتشدد والقوميين المتطرفين بأنها «شَعبويَّة». وأصبح المصطلح يحمل دلالة سلبيَّة؛ باعتبار أن تلك القوى والتيَّارات التي توصف به إنما «تلعب على عواطف الجماهير دون تقديم حلول حقيقيَّة لمشكلات المُجتمع». ذلك على الرغم من أن المصطلح ـ لُغويًّا ـ جذره «الشَّعب»، لكنه يختلف في دلالته عن أن السياسات «شَعبيَّة»، أي من الشَّعب وإلى الشَّعب. ومن المهمِّ الإشارة إلى أن الشعبويَّة مصطلح أطلقته «النخبة» لتمييز السياسات من خارجها عن سياساتها «النخبويَّة»؛ أي تلك التي تقررها وتنفذها الطبقة السياسيَّة التقليديَّة، وتكتسب الشرعيَّة الشَّعبيَّة عبر النظام الديمقراطي، ذلك النظام الذي يضمن تمثيل الجماهير العريضة عبر نواب برلمان أو مجالس مختلفة التسمية في سُلطة وضع السياسات ومراقبة تنفيذها.

في الواقع السياسي الفعلي، فإن الشَّعبويَّة هي شعارات تطلقها «أقليَّة سياسيَّة» تكسب بها تأييد قطاعات واسعة من الجماهير. تلك الشعارات غالبًا ما تكون مثيرة، وأحيانًا تضخم قضايا تقلق الجماهير، وتطرح حلولًا متطرفة لها، يهلل لها العامة؛ باعتبارها تؤدي إلى إنجاز حقيقي، عكس «ألاعيب السياسة» للنخبة التقليديَّة. لذا لا تستغرب أن تجد مهاجرين في بلدان أوروبيَّة يؤيدون أحزابًا وقوى سياسيَّة يمينيَّة متطرفة تطرح شعارات شَعبويَّة ضد الهجرة والمهاجرين. بل إن بعض هؤلاء المهاجرين يصبحون أكثر تطرفًا من اليمينيين المتشددين إلى حد العنصريَّة، وهو ما قد يثير الاستغراب أحيانًا. إنما الأمر، ببساطة، أن الشعور الاحتجاجي لدى الجماهير تجاه النخبة السياسيَّة التقليديَّة يدفعها، من دون وعي أحيانًا، للتطرف وتقبُّل أفكار الشَّعبويين، معتبرينها «تقدميَّة» وحتى «ثوريَّة» على الأوضاع السائدة غير المقبولة.

أتصور أن الجذر الأساس لصعود التشدد والتطرف والتيَّارات الشَّعبويَّة ليس فقط دوافع أصحابها التي قد تقترب من العنصريَّة أحيانًا؛ فمثل تلك الأفكار والجماعات موجودة على مر التاريخ، وإن كانت في الأغلب صغيرة ومعزولة وعلى هامش أي مُجتمع. إنما قد يفسر انتشارها القوي حاليًّا، خصوصًا في الغرب، ذلك التدهور الذي يشهده النظام الديمقراطي التقليدي في المُجتمعات الرأسماليَّة. فلم يَعُدْ قطاع كبير من الجماهير في المُجتمعات الرأسماليَّة يثق في النُّخب السياسيَّة التقليديَّة، ولا في أن الديمقراطيَّة تجعله شريكًا في سياسات إدارة البلاد. ورغم محاولات متواضعة لإصلاح نُظم الانتخابات وتشجيع الناس على المشاركة فيها، إلَّا أن ذلك لم يوقف منحى التدهور. كما أن النُّخب السياسيَّة التقليديَّة فقدت الكثير من أصالتها وقدرتها على الابتكار والمبادرة، وتحولت إلى مجرد «ردود أفعال» على حملات نشطاء هامشيين. وبالتالي، فقدت التواصل الحقيقي مع الجماهير الأوسع ومشاكلها وتطلعاتها. هكذا تنهار الثقة بين الناس والسياسة، فتنشط تلك الجماعات التي كانت صغيرة وهامشيَّة، وتعتمد شعارات وأفكارًا متطرفة، وتعمل على سد تلك الفجوة الناجمة عن فقدان ثقة الجماهير في السياسة.

هناك تفسير تبسيطي مُخلٌّ لصعود الشَّعبويَّة، وإن كان يتسق مع مرحلة التدهور العام التي تشهدها النُّظم السياسيَّة، خصوصًا نظام «الديمقراطيَّة التمثيليَّة». تبدو الطروحات الشَّعبويَّة أقرب إلى ما حدث في صناعة السينما نهاية القرن الماضي من موجة أفلام هابطة ورديئة سُمِّيت «أفلامًا تجاريَّة»؛ بمعنى تركيز أصحابها على الربح على حساب القيمة الفنيَّة التي تُلبِّي متطلبات الذوق العام الرفيع. وكان مبرر تلك الموجة يُلخَّص في مقولة: «هذا ما يريده الجمهور». وذلك شعار حق يُراد به باطل، فدور الفن هو ترقية الذوق العام، وليس تلبية متطلبات السطحيَّة والتدهور. وإذا نظرنا إلى الشَّعبويَّة السياسيَّة، فإن مبررها أيضًا أن «الجمهور يريد ذلك»، وهنا تقوم مواقع التواصل ومحتوى الإنترنت السطحي والمضلل بالدور الذي كان يقوم به الإعلام التقليدي سابقًا فيما يُسمَّى تشكيل الرأي العام. لذا نجد في السنوات الأخيرة بروز شركات مهمتها «التأثير» في الرأي العام للانتخابات وغيرها، باستخدام خوارزميَّات الإنترنت و»اللجان الإلكترونيَّة» عبر حسابات وهميَّة على مواقع التواصل، لتوجيه الناس نحو أفكار وشعارات وسياسات معيَّنة.

ليست المشكلة في أن تلك التوجُّهات الشَّعبويَّة تعمل على تدهور الذوق ووعي الجماهير فحسب، بل إنها تستغل ذلك النظام الديمقراطي المتدهور للوصول إلى السُّلطة، وكل ما تملكه من مهارة هو «هدم القديم» دون معرفة أو خبرة بأي بناء جديد لصالح الجماهير التي أتت بها إلى الحكم كي تحقق لها مصالحها. والنتيجة أن السياسة التقليديَّة تتفكك وتنهار، والسياسة الجديدة غير مؤهلة، ما يعني تدهورًا عامًّا ليس فقط للذوق العام أو الرأي العام، وإنما لكافة مناحي الحياة. مما يغطي على هذا التوقع المرعب أن العالم كله تقريبًا يتجه نحو الهروب من مشاكله التي لا يقدر، أو لا يريد، حلها إلى الأمام عبر تطورات تكنولوجيَّة تزيد من خلق الوهم والقفز على الواقع الذي يحتاج تطويره إلى الجهد والعمق الذي يتفاداه الجميع. إلَّا أنه عند نقطة معيَّنة سينكشف الجميع على حقيقة الأوضاع، ربما بعد فوات الأوان، وبما لا يمكن معه إصلاح ما فسد أو استعادة الثقة التي انهارت. يبدو الأمر أشبه، مع إدراك اختلال المقارنة لعوامل تاريخيَّة، بما حدث في النصف الأول من القرن الماضي، حين استغلت تيَّارات كانت هامشيَّة، مثل الفاشيَّة والنازيَّة، النُّظم الديمقراطيَّة، ووصلت إلى السُّلطة بانتخابات عامة، لتحاول تطبيق شعاراتها العنصريَّة في سياسات أودت إلى كوارث.

د.أحمد مصطفى أحمد

كاتب صحفي مصري

[email protected]