الجمعة 22 مايو 2026 م - 5 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

الاستدراك المنصف

الاستدراك المنصف
الأربعاء - 20 مايو 2026 10:09 ص

عادل سعد

40

•بدون الحضور المؤثر للُّغة العربيَّة، لا يمكن للثقافات المشتركة بين دول حوض البحر المتوسط أن تضمن انسيابيَّة معرفيَّة تغطي الشراكة بينها وتديمها على أساسٍ عادلٍ.

•بهذا الاستدراك المنصف، أجمع مثقفون فرنسيون على هامش (موسم البحر الأبيض المتوسط) المتواصل الآن في ميناء مرسيليا الفرنسي منذ الـ(15) من مايو الجاري، ويستمر حتى الـ(31) من أكتوبر من السنة الحاليَّة 2026.

•يتضمن الموسم (200) فعالية ثقافيَّة وفنيَّة مستمدَّة من الثراء المعرفي لدول هذه المنطقة الحيويَّة.

•يشارك فيها مبدعون عرب وأوروبيون تميزوا بعطاءات فذة في مجالات العلم والفلسفة والأدب والسينما والمسرح، والفنون التشكيليَّة من رسم ونحت، وغيرها من الفنون الأخرى.

•لا شك أن هذا المسعى البنيوي المهمَّ ما كان له أن يجري إلَّا لتحرير منزلة اللُّغة العربيَّة من مظلوميَّة لحقت بها؛ جرَّاء عدم إدراجها في الاهتمام الذي حظيت به اللُّغتان: الإنجليزيَّة والفرنسيَّة.

•لقد تم تمويل مفرط لنشر هاتين اللُّغتين على حساب اللُّغة العربيَّة، رغم كل ما يتوافر لها من مسوغات أن تكون على خط شروع واحد من الاهتمام. ولست هنا بصدد تقديم جرد لضرورات الاهتمام بها، بل لأنها تملك جاهًا يخولها أن تكون على قدر أكبر من الضرورات الروحيَّة والمعرفيَّة العامة؛ فهي لُغة القرآن الكريم، والمحتوى الإيماني لملياري مسلم، كما لا ينقصها الحيويَّة اللازمة للانخراط في تسمية وتوصيف كل ما يتعلق بثورة الاتصالات والمعطيات العلميَّة الأحدث.

•وللتاريخ، أستعيد هنا محطة ثقافيَّة تناولتها ضمن مقال لي نشرته هذه الصحيفة الغرَّاء (الوطن)، وجاء في ضوء التوجيه السَّامي من جلالة السُّلطان المُعظَّم الراحل قابوس بن سعيد باستحداث كرسي للُّغة العربيَّة بجامعة جورج تاون الأميركيَّة، وكان لذلك الكرم السُّلطاني السَّامي المبكر أصداء نوعيَّة وازنة.

كما تحضرني متابعات الصديق الدكتور حسين الهنداوي، الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربيَّة، عندما تناول فضل اللُّغة العربيَّة ونضارتها الحضاريَّة العريقة في المشهدين الأوروبيين الفلسفي والسردي السوسيولوجي، حيث تطرق إلى ذلك بعدد من مؤلفاته. وهناك حضور آخر لها على أيدي باحثين آخرين اغترفوا منها، معتمدينها سندًا تعريفيًّا للعديد من القضايا، إضافةً إلى فضلها في تدوين المزيد من المسلَّمات العلميَّة في الطب والهندسة والعلوم الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والنفسيَّة أيضًا. ثم إنها لُغة العرب الذين تزيد نفوسهم الآن على (450) مليون نسمة، وكان ذلك أحد العوامل التي دفعت الأمم المتحدة إلى إدراجها ضمن اللُّغات الرسميَّة الخمس الأخرى المعتمدة في عملها منذ الـ(18) من ديسمبر عام 1973، تنفيذًا لقرار الجمعيَّة العامة للمنظمة الدوليَّة رقم (3190). ولقدرتها الاستيعابيَّة المتجددة فكريًّا وتفاهمًا، ولسعة المفردات التي تمتلكها، كما أنها لُغة اشتقاقيَّة تركيبيَّة قابلة للنحت، الأمر الذي يضعها على طريق المستقبل بكل ثقة. كذلك يعود الفضل لها في إغناء لُغات أخرى بالمزيد من المفردات، فهناك الآن الآلاف من مفرداتها في الفارسيَّة والتركيَّة والإسبانيَّة والإنجليزيَّة أيضًا.

•إجمالًا، يضيف حضور اللُّغة العربيَّة في موسم البحر المتوسط 2026 مفتاحًا حضاريًّا للشراكة القيميَّة التي تجمع دول هذا الحوض، وبذلك يكون نفوذ الحضارة العربيَّة قد استعاد المزيد من ضرورته اللوجستيَّة التاريخيَّة العريقة.

عادل سعد

كاتب عراقي

[email protected]