الاثنين 25 مايو 2026 م - 8 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

حذار سلبيات التواريخ المختلة

حذار سلبيات التواريخ المختلة
الثلاثاء - 19 مايو 2026 10:21 ص

أ.د. محمد الدعمي

20

لا شك في أن ما راح يُطلق عليه عنوان «التاريخ الجديد» هو رد فعلٍ للعديد من المداخل المختلة إلى الماضي. واحدٌ من هذه المداخل المختلة، والكفيلة بسأم طلاب التاريخ في مدارسنا العربيَّة، هو المدخل الذي يعتمد فكرةً ساذجةً مفادها أن «التاريخ هو سجل»، أي سجلٌّ تدرج على صفحاته أحداثُ الزمن المنصرم، أي أحداثٌ سابقةٌ عبر تيَّار الزمن.

والحقُّ، فإن هذا مدخلٌ مختل يمكن أن يسيء لتلاميذنا ولأبنائنا، خصوصًا وأنه، بوصفه سجلًّا مجردًا، يغلق أبواب التساؤل والتفكير والتأمل بالنسبة إلى النشء عبر عالمنا العربي؛ فإذا كان التاريخ مجرد سجلٍّ فقط، فما الفرق بينه وبين سجل محتويات المخازن التي يعتمد عليها أمناء المخازن في علم التخزين العلمي الدقيق Warehousing؟ هكذا يتحول التاريخ إلى مجرد نقاطٍ متتالية يتولى المُعلِّم استعراضها، ويتحمل الطالب أثقال حفظها، كما تُحفظ الأناشيد المدرسيَّة.

أمَّا بالنسبة إلى المدخل التقليدي إلى التاريخ، وهو المدخل المعتمد في الكتب التي تقدمها مؤسَّساتنا التربويَّة، وللأسف البالغ، أي قصص لا لزوم لها، فبرغم فوائده القوميَّة التربويَّة، إلَّا أنه يبقى مدخلًا مختلًّا للتاريخ، ويرد اختلاله هنا إلى أن المؤرخ يحد نشاطه في التأريخ بقصص تداول السلطة والحروب. وهذا مدخلٌ محبطٌ بالنسبة لتلاميذنا؛ أذكر جيدًا تاريخ الصفوف الخامسة (المرحلة الإعداديَّة، الأدبي)، لأنه لم يكن يتجاوز قصص خلفاء بني العباس، وكيف كان المتأخرون منهم يُخلعون أو يُقتلون من قبل المحتلين البويهيين والسلاجقة، ناهيك عن تركيز مؤلفي هذه «التواريخ» على قصص رخاء الخلفاء وولعهم بالغواني وبالأواني المذهبة والملاعق المصنوعة من الفضة، ناهيك عن قصص الغلمان والراقصات الحسان! أي: كيف كان الخلفاء، بل وحتى ولاتهم عبر الأمصار، لنلاحظ قصة الأعرابي ومعن بن زائدة، يكرمون الشعراء والموسيقيين، وكأنهم كانوا منفصلين تمامًا عن حياة الفقراء والمعارضين في بغداد والبصرة ودمشق والقاهرة!

لهذه الأسباب، ومن بين أسبابٍ أخرى، سفَّه المؤرخون الأوروبيون تواريخنا، خصوصًا وأنها لم تكن تواريخ العمل والفن والإبداع المتمثلة في قصص الحرفيين والبناة الحقيقيين للمُجتمعات، أي قصص هذه الشخصيَّات التي ظهرت على صفحات «الملاهي»، من أمثال المقامات التي كانت مرآةً دقيقةَ العكس للحياة في العصر الوسيط المبكر عبر المدن التي ازدهرت في حقبة ذاك، والتي مر ذكرها أعلاه!

أ.د. محمد الدعمي

كاتب وباحث أكاديمي عراقي