الثلاثاء 19 مايو 2026 م - 2 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : هيئة الدفاع المدني والإسعاف.. جهود متواصلة فـي الحد من حوادث الصيف «حرائق المنشآت السكنية نموذجا»

في العمق : هيئة الدفاع المدني والإسعاف.. جهود متواصلة فـي الحد من حوادث الصيف «حرائق المنشآت السكنية نموذجا»
الاثنين - 18 مايو 2026 10:16 ص

د.رجب بن علي العويسي

10

مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، وما يرتبط به من إجازات صيفيَّة للطلبة، تبرز حوادث الصيف ومنها: حوادث الحرائق، كأحد التحديات المتجددة التي تتعامل معها هيئة الدفاع المدني والإسعاف، خصوصًا ما يتصل باختصاصاتها المرتبطة بالسلامة العامة. بما يعنيه ذلك من اتخاذ الأُطر والإجراءات والتدابير والخطط السَّاعية إلى رفع درجة الجاهزيَّة المُجتمعيَّة وتعزيز الوعي الجمعي بكيفيَّة التعامل مع هذه الحوادث، من خلال البرامج التوعويَّة والتثقيفيَّة، وحملات التوعية النوعيَّة الموجَّهة لمختلف فئات المُجتمع؛ بهدف الحدِّ من تداعياتها على السلامة العامة والشخصيَّة.

وفي تقرير مرئي لهيئة الدفاع المدني والإسعاف حول حرائق المنشآت السكنيَّة، أشارت الهيئة إلى أن الأشهر الممتدة من يونيو إلى أغسطس تُعَدُّ من أكثر الفترات التي ترتفع فيها معدلات حرائق الصيف، وبشكل خاص حرائق المنشآت السكنيَّة، بالإضافة إلى حرائق المنشآت الصناعيَّة والمزارع والمَركبات وغيرها. وأوضحت المتابعة الميدانيَّة لأجهزة الهيئة أن المكيفات تُمثِّل أحد أبرز مسببات هذه الحرائق، إلى جانب أسباب أخرى، مثل الإهمال، والأحمال الزائدة.

وتشير إحصائيَّات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أن إجمالي عدد حالات الحرائق التي شهدتها سلطنة عُمان خلال عام 2025 بلغ (5560) حالة، بزيادة بلغت نحو (12%) مقارنة بعام 2024 الذي سجل (4622) حالة. كما تكشف الإحصاءات عن تزايد مطَّرد في عدد الحرائق خلال السنوات الأخيرة؛ إذ بلغت (4057) حالة عام 2022، و(4186) عام 2023، و(4622) عام 2024، ثم (5560) عام 2025. وتشير بيانات عام 2024 إلى أن حرائق المنشآت السكنيَّة جاءت في المرتبة الأولى بنسبة (31%)، تلتها حرائق المخلفات الزراعيَّة والصناعيَّة بنسبة (24%)، ثم حرائق وسائل النقل والمَركبات بنسبة (22%).

ومع الإقرار بأن ازدياد الحرائق يعود إلى عوامل متعددة تختلف باختلاف طبيعة الحريق ذاته، سواء كان في منشأة سكنيَّة أو تجاريَّة أو في وسائل النقل أو المزارع، إلَّا أن أغلب هذه الأسباب ترتبط بالإهمال وسوء استخدام التوصيلات الكهربائيَّة أو تسربات الغاز أو غياب الصيانة الدوريَّة. غير أن تصدر المنازل والمنشآت السكنيَّة قائمة الحرائق يضعنا أمام ضرورة البحث في عمق السلوك الإنساني ذاته، والمتغيرات التي فرضت واقعًا جديدًا في التعامل مع هذه الحوادث، الأمر الذي يستدعي مزيدًا من التفكير والابتكار في معالجتها، باعتبارها تمسُّ أمن الإنسان وسلامته بشكل مباشر.

ورغم أن الحرائق، وخصوصًا حرائق المنشآت السكنيَّة، أصبحت تحدث بصورة مستمرة في مختلف الأوقات والظروف، إلَّا أن خطورتها تتضاعف خلال فصل الصيف بسبب ارتفاع درجات الحرارة وكثرة استخدام الأجهزة الكهربائيَّة والتوصيلات المختلفة. ومع مرور الوقت وكثرة الاستخدام، تصبح بعض التوصيلات والأجهزة عرضة للتلف أو سوء الاستخدام، خصوصًا عند الاعتماد على توصيلات غير مضمونة أو تقليديَّة، ما يتطلب مزيدًا من الحذر والعناية في آليَّة التعامل معها. كما أن انتشار الأجهزة الذكيَّة، كالهواتف المحمولة والأجهزة اللوحيَّة، في أيدي الأطفال، وتعددها داخل الأسرة الواحدة، جعل من الشحن الكهربائي المستمر، خصوصًا خلال ساعات الليل، أحد المهددات الخطيرة، لا سِيَّما أن كثيرًا من الحرائق تحدث في أوقات الاستراحة العائليَّة، بين منتصف الليل والفجر. وهذا يضع الأسرة أمام مسؤوليَّة متابعة استخدام هذه الأجهزة، وعدم تركها في وضع التشغيل أو الشحن داخل غرف النوم، لِمَا قد يسببه ذلك من استنشاق للدخان أو حالات اختناق تهدد حياة الأطفال وأفراد الأسرة.

وعليه، لم يَعُدِ الأمر يحتمل التأخير، ولم تَعُدْ مسألة توفير اشتراطات السلامة حالة مزاجيَّة أو مرتبطة بقدرة الأسرة الماديَّة فحسب، بل أصبحت مسؤوليَّة وطنيَّة تستوجب تَبنِّي سياسات داعمة للمُجتمع في الالتزام بهذه الاشتراطات، وتوفير الدعم المالي اللازم للأسر التي لم تستطع توفير هذه اللوازم بحجة عدم توافر الملاءة الماليَّة والسيولة الماديَّة، كما تستدعي الحاجة إلى تشريعات وبرامج ومبادرات جادة تشجع المُجتمع، بأفراده وأسره، على جعل السلامة المنزليَّة أولويَّة أسريَّة واجتماعيَّة، وتعزز ثقافة التطوع والمشاركة المُجتمعيَّة في نشر الوعي الوقائي. وفي الوقت نفسه، تبرز أهميَّة تَبنِّي خطاب توعوي إعلامي متخصص ومتوازن، يستهدف مختلف فئات المُجتمع؛ من الأطفال والكبار، والرجال والنساء، والعمالة المنزليَّة، بحيث لا تقتصر التوعية على توفير أجهزة الإنذار أو أدوات الإطفاء، بل تمتد إلى بناء الاستعداد الذهني والنفسي للتعامل مع الحوادث عند وقوعها. فكثير من الإصابات والخسائر تنتج عن الارتباك والصراخ وسوء التصرف أثناء الحريق، ما يجعل من تثقيف المواطن والمقيم بالإجراءات الواجب اتباعها أمرًا في غاية الأهميَّة.

لذا تأتي أهميَّة تثقيف المواطن والمقيم بالإجراءات التي عليه أن يتبعها في حالة حدوث حريق، والأولويَّات التي يجب أن يعمل عليها لتدارك امتداد تأثير الحريق في المنشأة السكنيَّة، وتقديم سيناريوهات متعددة تضع الجميع أمام إدراك واعٍ بالمسؤوليَّة التي يجب أن يقف عليها في هذا الوضع، وأن يرافق عمليَّات التوعية والتثقيف والمتابعات المستمرة للجهات المختصة تدريبُ أفراد المُجتمع على عمليَّات الإخلاء والتعامل مع الحرائق وكيفيَّة المحافظة على سلامة الأفراد في هذا الجانب، وتَبنِّي حملات توعويَّة مستمرة تبدأ بفترة مبكرة قبل الصيف في تهيئة المُجتمع نفسيًّا وفكريًّا في التعامل مع حوادث الحرائق، لتتجه عمليَّة التوعية والبرامج إلى دور شركات الكهرباء ومسؤوليَّتها في تبصير المواطن والمقيم بهذه الإجراءات والإرشادات، وتوفير الأجهزة المأمونة للكشف عن الحريق بأسعار رمزيَّة، وتعزيز الإرشادات الوقائيَّة المرتبطة بالاستخدام الآمن للأجهزة الكهربائيَّة.

وانطلاقًا من أن الوعي الجمعي ركيزة الأمان، وأن حوادث الحرائق ترتبط بسلوك الإنسان وممارساته بالدرجة الأولى، فإن هذه الإحصاءات تؤكد الحاجة إلى تضامن الجهود الوطنيَّة وتكاملها، ومساندة مُجتمعيَّة ومؤسسيَّة فاعلة تعظم من شأن ما تتخذه هيئة الدفاع المدني والإسعاف من إجراءات في سبيل الحدِّ من الحوادث، سواء ما يتعلق بالحماية المدنيَّة للمنشآت السكنيَّة، أو الاشتراطات المرتبطة بمعايير الأمن والسلامة، أو بالأنظمة واللوائح والإجراءات وغيرها، أو بالبرامج الإعلاميَّة والرقميَّة المعززة للحسِّ الأمني والسلامة الوقائيَّة عبر البحث عن أدوات أكثر ابتكاريَّة ترتبط بسلوك الإنسان اليومي، وتعزز من قناعته بمسؤوليَّته تجاه السلامة المنزليَّة. كما تستدعي زيادة البرامج التوعويَّة، والمراجعات الدوريَّة الإلزاميَّة لأنظمة الأمن والسلامة في المنشآت السكنيَّة، ومستوى الالتزام بهذه الاشتراطات عند إعداد الخرائط الهندسيَّة أو تنفيذها أو فحص التوصيلات الكهربائيَّة، وإجراء المسوحات التشخيصيَّة والتقييميَّة المستمرة التي ترصد مسبّبات الحرائق وتفصح عنها بشفافيَّة، إلى جانب تشجيع الشركات الوطنيَّة والابتكارات الطلابيَّة على إنتاج أدوات وتقنيَّات حديثة للسلامة المنزليَّة.

وبدورها تُمثِّل الحملات التوعويَّة والبرامج الوطنيَّة التي تنفذها هيئة الدفاع المدني والإسعاف، ومنها الحملة الوطنيَّة للتوعية بمخاطر الأنواء المناخيَّة وأمواج تسونامي، في نسختها الخامسة؛ باعتبارها امتدادًا حيويًّا وجسرًا تواصليًّا مع المُجتمع لنشر ثقافة السلامة والوقايَّة. ومسارًا وطنيًّا لترسيخ الوعي الجمعي وتعظيم مفاهيم الأمن والسلامة في حياة الفرد والمُجتمع، خصوصًا مع دخول فصل الصيف وما يرتبط به من ارتفاع في درجات الحرارة وزيادة احتمالات الحرائق.

ولمَّا كانت حوادث الحرائق في جوهرها مرتبطة بمدى وجود وعي مُجتمعي حقيقي بخطورة الإهمال وعدم المبالاة في التعامل مع مسبِّبات الحرائق المنزليَّة، وأهميَّة إيجاد البرامج التي تؤصل في الناشئة قيمة المسؤوليَّة والالتزام والاهتمام، لذلك تأتي أهميَّة ترسيخ ثقافة السلامة الوقائيَّة منذ المراحل التعليميَّة الأولى، عبر برامج تعليميَّة وتوعويَّة تستحضر أكثر الأسباب المؤدية للحوادث، مثل سوء استخدام شواحن الهواتف والأجهزة الذكيَّة، وتقديم محتوى توعوي يناسب مختلف الأعمار والبيئات المنزليَّة. بالإضافة إلى ذلك، فإن تفعيل دور الإعلام الرقمي والمنصَّات الإعلاميَّة والتعليميَّة والتواصليَّة في تقديم محتوى توعوي مرئي ومؤثر يتناسب مع مختلف فئات المُجتمع، وبخاصة الصغار، ويضعهم أمام مواقف محاكاة للواقع بحيث يوضح أفضل الممارسات في الوقايَّة والسلامة، سوف يسهم في تعزيز قدرة الأطفال والأسر على التعامل مع المخاطر، ويحدُّ من السلوكيَّات غير المنضبطة التي قد تؤدي إلى الحرائق.

أخيرًا، وحتى لا تتكرر الفواجع المؤلمة، وتزهق الأرواح البريئة بسبب حرائق المنازل والمنشآت السكنيَّة، فإن الحاجة باتت ملحَّة إلى الوقوف على التفاصيل الدقيقة في هذا الملف وإعادة هندسة إجراءاته، وعبر قراءة العمق الإنساني، بما يعزز من سن تشريعات تحفظ الأرواح، وتحد من الممارسات الخاطئة والإهمال واللامبالاة. فلنكن جميعًا شركاء في بناء ثقافة سلامة مستدامة، من أجل حياة آمنة، وبيوت مطمئنة، وصيف خالٍ من حوادث الحرائق.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]