تشهد المحافظات العُمانيَّة تحولًا تنمويًّا متسارعًا يمنحها دورًا أكثر تأثيرًا في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز التنويع الاقتصادي، وخلق فرص الاستثمار والتشغيل في مختلف القطاعات، في إطار توجُّه وطني يستهدف توزيع مراكز النمو على مختلف مناطق سلطنة عُمان، بما يرفع كفاءة استغلال الموارد الطبيعيَّة والبشريَّة ويمنح كل محافظة مساحة أوسع للمساهمة في تحقيق التنمية وفق مزاياها النسبيَّة وخصوصيَّتها الاقتصاديَّة والجغرافيَّة. وتقدِّم محافظة ظفار نموذجًا واضحًا لهذا التوجُّه من خلال ما حققته من توسُّع في المشاريع الصناعيَّة والسياحيَّة واللوجستيَّة والاستثمارات النوعيَّة التي عززت مكانتها كواحدة من أبرز البيئات الاقتصاديَّة الواعدة، خصوصًا مع النمو المتسارع في المنطقة الحرة بصلالة، والتطور الكبير في البنية الأساسيَّة والخدمات، وارتفاع معدلات التشغيل والتمكين، والتوسُّع في المشاريع المرتبطة بالأمن الغذائي والاستدامة، وهو ما يؤكد أن المحافظات أصبحت اليوم شريكًا رئيسًا في صناعة التنمية ودعم مستهدفات رؤية «عُمان 2040».
ولعلَّ الأرقام التي كشفت عنها محافظة ظفار خلال اللقاء الإعلامي الأخير تقدِّم صورة واضحة عن حجم التحول الاقتصادي والتنموي الذي تعيشه المحافظات العُمانيَّة عندما تمتلك الرؤية والاستراتيجيَّة والقدرة على توظيف مواردها بصورة فعَّالة؛ حيث بلغت الاستثمارات التراكميَّة في المنطقة الحرة بصلالة نحو (5.1) مليار ريال عُماني، في وقت سجل فيه ميناء صلالة مناولة (26.4) مليون طن متري من البضائع العامة و(4.3) مليون حاوية، بنمو بلغ (31%) خلال عام 2025م، بالتزامن مع تعيين (7,985) مواطنًا في القطاع الخاص، وتنفيذ (30) مشروعًا ومبادرة في قطاع الأمن الغذائي، إلى جانب مشاريع سياحيَّة وصناعيَّة وطبيَّة بمئات الملايين من الريالات، وهو ما يكشف كيف أصبحت المحافظات قادرة على التحول إلى مراكز اقتصاديَّة متكاملة تدعم النمو الوطني، وتفتح المجال أمام فرص استثماريَّة وتشغيليَّة واسعة ترتبط بالصناعة والخدمات والسياحة واللوجستيَّات والتقنيَّة، ضمن نموذج تنموي يمنح الاقتصاد العُماني تنوعًا أكبر وقدرة أعلى على الاستدامة والتنافسيَّة.
إنَّ التحولات التي تشهدها محافظة ظفار في مجالات التخطيط العمراني والاستدامة وجودة الحياة تكشف أن التنمية الحديثة أصبحت ترتبط بصورة مباشرة بقدرة المحافظات على بناء مُدن أكثر مرونة وكفاءة وجاذبيَّة للاستثمار والسكان والسياحة؛ حيث عزز اعتماد صلالة مدينةً صحيَّة من منظمة الصحة العالميَّة، واختيارها مركزًا لمرونة المُدن من مكتب الأُمم المتحدة للحدِّ من مخاطر الكوارث، مكانةَ المحافظة ضمن النماذج الحضريَّة المتقدمة على مستوى المنطقة، بالتزامن مع تنفيذ مشاريع بنية أساسيَّة استراتيجيَّة شملت افتتاح سد وادي عدونب وسد وادي أنعار ونفق أتين، إلى جانب التوسُّع في الخدمات الرقميَّة وتطوير بيئة الأعمال والخدمات البلديَّة، وهو ما يعكس توجُّهًا يربط التنمية بالبنية الذكيَّة والاستدامة البيئيَّة ورفع جودة الحياة، ضمن رؤية تمنح المحافظات العُمانيَّة دورًا أكبر في صناعة مُدن قادرة على التعامل مع متطلبات المستقبل الاقتصادي والسكاني والتقني بكفاءة واستقرار.
إنَّ ما تشهده محافظة ظفار اليوم يقدِّم نموذجًا يعكس أهميَّة اللامركزيَّة في تسريع التنمية، ورفع كفاءة اتخاذ القرار، وتعزيز قدرة المحافظات على استثمار مواردها وفق احتياجاتها وأولويَّاتها الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، حيث تمنح اللامركزيَّة المحافظات مساحة أوسع للتحرك والتخطيط وبناء الشراكات، وإطلاق المبادرات القادرة على خلق فرص حقيقيَّة للنمو والاستثمار والتشغيل، وهو ما ينسجم مع طبيعة المرحلة التي تسعى فيها سلطنة عُمان إلى بناء اقتصاد أكثر مرونة وتوازنًا واستدامة، يعتمد على تعدُّد مراكز التنمية، وتوزيع الفرص بصورة أكثر كفاءة بين مختلف المحافظات، بما يعزز جودة الحياة ويرفع تنافسيَّة الاقتصاد الوطني، ويمنح كل محافظة القدرة على التحول إلى شريك فاعل في صناعة المستقبل العُماني. كما تفتح اللامركزيَّة المجال أمام تسريع تنفيذ المشاريع ورفع كفاءة الخدمات، وتعزيز الابتكار المحلي المرتبط بخصوصيَّة كل محافظة واحتياجاتها التنمويَّة. وتؤكد التجارب الناجحة في المحافظات أنَّ التنمية تصبح أكثر استدامة وتأثيرًا عندما تقترب أدوات القرار من الواقع الميداني ومتطلبات المُجتمع والاقتصاد.