الثلاثاء 19 مايو 2026 م - 2 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

الذكرى الثامنة والسبعون للنكبة ونكبة الواقع العربي

الذكرى الثامنة والسبعون للنكبة ونكبة الواقع العربي
الاثنين - 18 مايو 2026 10:14 ص

خميس بن عبيد القطيطي

100

في كثير من البيوت في مُجتمعنا، أو حتى مُجتمعات أخرى، لا تؤخذ المخاوف الصحيَّة على محمل الجد إلَّا بعد وقوع حدث طبي خطير. ولعلَّنا جميعًا نلاحظ ذلك؛ حيث يُصاب أحد الأقارب فجأة بجلطة دماغيَّة، أو يُنقل أب لم يشكُ قط من صحته إلى قسم الطوارئ بسبب ألمٍ في الصدر، أو ربما يبدأ شخص كنَّا نراه بصحة جيدة، وفجأة ـ وللأسف ـ يبدأ غسيل الكلى بشكل غير متوقع. وهنا، وراء العديد من هذه القصص، تكمن حالة شائعة غالبًا ما تمر دون أن يلاحظها أحد لسنوات أو أنها تُهمل، ألا وهي ارتفاع ضغط الدم!

لذلك، فهذا القاتل الصامت لم يُطلق عليه هكذا عبثًا، بل حقيقةً لسبب وجيه. فعلى عكس الأمراض التي تسبب أعراضًا واضحة، يمكن أن يُلحق ارتفاع ضغط الدم ضررًا بالجسم لسنوات دون أن يسبب أي إزعاج. فيستمر الشخص في الذهاب إلى العمل، وحضور التجمعات العائليَّة، وممارسة حياته بشكل طبيعي، بينما تتأثر أوعيته الدمويَّة وأعضاؤه ببطء ودون أن يشعر.

حتى إنَّ الجميع بات يلاحظ ارتفاعًا ملحوظًا في حالات ارتفاع ضغط الدم، لا سِيَّما بين الشباب. وبطبيعة الحال، أثَّرت التغيرات في نمط الحياة خلال العقدين الماضيين في ذلك؛ حيث ازداد استهلاك الوجبات السريعة، وانخفض النشاط البدني، وارتفعت مستويات التوتر، خصوصًا وأن الكثيرين منَّا يقضون ساعات طويلة إمَّا جالسين على مكاتبهم أو يقودون سياراتهم، بالإضافة إلى الأنظمة الغذائيَّة الغنيَّة بالملح والأطعمة المصنّعة.

ولكي نكون واضحين هنا، يجب أن نعي بأن ضغط الدم يشير إلى قوة دفع الدم على جدران الشرايين. وهكذا، عندما يظل هذا الضغط مرتفعًا باستمرار، سيبدأ القلب والأوعية الدمويَّة في التعرُّض لتلف تدريجي. وعليه، يتكيف الجسم بصمت في البداية، مما يفسر سبب عدم ظهور الأعراض إلَّا عندما تصبح المضاعفات خطيرة!

الأهم من ذلك، يُعَد القلب هنا من أوائل الأعضاء التي تتأثر. فمع مرور الوقت، يُجبر ارتفاع ضغط الدم غير المسيطر عليه القلبَ على العمل بجهد أكبر من المعتاد، فيزيد من خطر الإصابة بالنوبات القلبيَّة وفشل وظيفة القلب. ناهيك عن تأثر الدماغ والأمراض المصاحبة، ويتعدى ذلك إلى تأثر وظيفة الكُلى، والتي حقيقةً ستعاني بصمت، خصوصًا وأنها تعتمد على أوعية دمويَّة دقيقة لتصفية الفضلات من الجسم. وبالتالي، مع ارتفاع ضغط الدم المزمن، سيحتاج ذلك المريض في نهاية المطاف إلى غسيل الكلى عدَّة مرَّات أسبوعيًّا للبقاء على قيد الحياة.

وهنا أرى أن أكثر ما يثير الإحباط في ارتفاع ضغط الدم هو إمكانيَّة الوقاية من العديد من مضاعفاته بالكشف المبكر. فقياس ضغط الدم لا يستغرق سوى دقائق معدودة، ومع ذلك يتجنب الكثير من البالغين الفحوصات الطبيَّة الدوريَّة لشعورهم بالصحة. ولسوء الحظ، لا يفرِّق ارتفاع ضغط الدم بين اللياقة البدنيَّة والنشاط؛ فهو هكذا يتطور بصمت حتى يُصاب الفرد بأضرار صحيَّة خطيرة.

طبعًا، لا ننسى أنه يمكن السيطرة على ارتفاع ضغط الدم بنجاح من خلال تغيير نمط الحياة. حتى التعديلات البسيطة يمكن أن تُحدث فرقًا. فمثلًا، يُعَدُّ تقليل تناول الملح من أكثر الخطوات فعاليَّة. ناهيك عن أن النشاط البدني لا يشترط بالضرورة اشتراكات في النوادي الرياضيَّة أو برامج تمارين مكثفة. فقط المشي مساءً، والسباحة ـ مثلًا ـ أو حتى مجرد تقليل وقت الجلوس، فكلها أمور تحسِّن صحة القلب والأوعية الدمويَّة بشكل ملحوظ. وكما ندرك جميعًا، فالحفاظ على وزن صحي، والنوم الكافي، والتحكم في التوتر النفسي، كلها عوامل أيضًا تسهم في الحفاظ على مستويات ضغط دم صحيَّة. من ناحية أخرى، ولبعض الأفراد، يصبح تناول الأدوية ضروريًّا في وقت ما، ولكن لسوء الحظ يتوقف بعض المرضى عن العلاج بمجرد شعورهم بالتحسن، دون إدراك أن ارتفاع ضغط الدم عادةً يتطلب علاجًا مدى الحياة.

ختامًا، تجاهل ارتفاع ضغط الدم لمجرد عدم الشعور بأي مشكلة قد يكون خطأً فادحًا. بل لا يُعَدُّ الصمت دائمًا دليلًا على الصحة، بل قد يكون أحيانًا بمثابة تحذير خفي من الجسم قبل حدوث مشكلة خطيرة!

خميس بن عبيد القطيطي

[email protected]