الأحد 17 مايو 2026 م - 29 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

من «الجزائر» إلى «تونس» مدن وحضارات وشواهد يزهو بها التاريخ «٢ـ١١»

من «الجزائر» إلى «تونس» مدن وحضارات وشواهد يزهو بها التاريخ «٢ـ١١»
السبت - 16 مايو 2026 10:14 ص

سعود بن علي الحارثي

20

ثانيًا: ازدهار الأدب والحضارات.

غادرنا مطار مسقط الدولي، وخبر يقودنا إلى انفراج وتفاؤل، وآخر بعد دقائق يدخلنا في حالة من التشاؤم والإحباط، هل ستنجح المساعي والمبادرات الصادقة، في تحفيز كل من الولايات المتحدة الأميركيَّة وإيران على توقيع اتفاقيَّة سلام تنهي هذا الصراع العبثي والحرب الشرسة المجنونة؟ أم أن التحدي وجنون العظمة والانتشاء بالنصر والرغبة في المزيد من التدمير والقتل هي التي سوف ستتغلب على المنطق والعقل وتشتعل الحرب من جديد؟ وما هو مصير منطقتنا ووضعها ومستقبلها، وهل ستغلق المطارات مرة أخرى، وتتوقف رحلات الطيران، ونعلق في الجزائر أو تونس؟ لأول مرة نسافر والقلوب وجلة والنفوس قلقة والتفكير معلق بالوطن والعائلة. الطائرة التي أقلتنا إلى الدوحة، مليئة مقاعدها بالركاب، مؤشر على التفاؤل، فالحياة طبيعيَّة، والناس يستشعرون بأن وقف النار إعلان بانتهاء الحرب. مطار «حمد الدولي»، ومدينة الدوحة يتعافيان من آثار الأسابيع القاسية التي مرت بها البُلدان الخليجيَّة، والحركة السياحيَّة في المجمعات التجاريَّة ومشيرب وسوق واقف والحي الثقافي «كتارا»، وغيرها من مناطق الجذب في ازدهار، وهو مؤشر آخر على أن حُب الحياة يتغلب على بشاعة الموت والخراب. رواية الكاتب الجزائري البارع «واسيني الأعرج»، «أصابع لوليتا»، والثانية «مملكة الفراشة»، كانتا برفقتي، طوال أيَّام التطواف، وساعات الطيران، فالكتاب والصحبة والسفر من متع الحياة ومنافعها الجليلة، و»واسيني الأعرج»، من أولئك الكبار الذين حظيت رواياته بالتقدير والاحترام والتكريم، ونالت حفاوة القرَّاء ورضاهم، وعبرت محيطات وقارات وترجمت إلى لغات العالم، وقدمته إلى المشهد الروائي العالمي كمنافس بارع، تمكن من الإسهام في ازدهار عالم الرواية، فهو يغوص في أعماق الحياة وفي قلب المجتمع يحاور ويسأل، يتأمل الوجوه ويستقرئ ردات الفعل، يوظف تقنيَّات التواصل وإعلامه الالكتروني، ويستثمر مهارات البحث والسرد اليومي والقصص والأخبار والحكايات التي يصغي إليها بشغف، يستلهم ويستوعب القضايا والمشكلات والإشكالات والتشابكات من الحياة والإنسان ومخلوقات الكون، ويحولها إلى محتوى روائي شيق، ويسكب عليها فيضًا من تقاليد وثقافة ومعتقدات ومذاهب الشعوب وغرائبه، ويشبعها بأقوال ومحن وتجارب المفكرين والفلاسفة، وشيء من الخيال يضيف عليها الكثير من التشويق والجمال الفني وغنى المحتوى، واستخلاص الأمراض الإنسانيَّة وتحليلها. فلثقافة الروائي وسعة قراءاته وأسفاره وغوصه في إنتاج كبار الكتاب ما يثري محتوى الرواية، ويرفع قيمتها اللُّغويَّة والفنيَّة وكلماتها التي تسبح في فضاء الشعر الساكن في أعماق الروح، كما يمنح «الأعرج» شخصيَّاته مساحة من الحريَّة للحديث عن أنفسهم، ذكرياتهم، مشاعرهم، آرائهم، الأحداث التي مرت عليهم، قسوة البشر، حكاياتهم مع محيطهم الأسري التي تنتقل صورًا ومشاهد حقيقيَّة، مرآة عاكسة للمجتمع بمختلف شرائحه، وتفكير الكبار وفسادهم وتطلعات وأماني الصغار فيه... ومن رحم الموضوع الرئيس الذي تتناوله الرواية تتساقط عشرات الإشارات والملحوظات والإسقاطات التي تنتقد بجرأة، السياسات والوقائع والسلوكيَّات والأحداث، الممارسات والطقوس والتقاليد العقيمة التي تتحول مع الزمن إلى ثابت، فتطلب كنسًا وتطهيرًا تعيد للمجتمع نقاءه وصفاءه وبهاءه وسلامه الروحي وطمأنينته، وترسّخ قيم العدل والحريَّة والمساواة، والقانون الصارم، والمواطنة الصادقة، والتسامح والتعايش... الموت، الحياة، الله، الدين، المسلَّمات، الموروثات، ما بعد الحداثة، العنف، آراء المفكرين والفلاسفة، الخير والشر، الفساد... موضوعات ومحاور تشتعل بها روايات «واسيني الأعرج»، يحتد الجدل بين الروح والعقل، الاستكانة والتسليم، أو الارتكان إلى النزعة الطاغية والتمرد والخروج عن المألوف... وقد نشرت مجلة «دبي الثقافيَّة»، بعضًا من رواياته، التي حصلت عليها مجانًا مع أعداد المجلة، في فترة ازدهار الصحف والمجلات الثقافيَّة قبل توقف معظمها عن الصدور للأسباب المعروفة... وقبيل سفرنا إلى الجزائر بأيَّام قليلة، تناقلت الأوساط الأدبيَّة خبر نيل الكاتب الجزائري «سعيد خطيبي»، جائزة «البوكر العربيَّة»، عن روايته «أغالب مجرى النهر»، لتضيف إلى الرواية والأدب الجزائري الغني والمزدهر مكسبًا آخر جديرًا بالاستحقاق، والتشويق يحدوني أن أجد الرواية في إحدى مكتبات الجزائر لاقتنائها وإضافتها إلى مكتبتي العزيزة على نفسي... هبط بنا الطائر المحلق بعد ثماني ساعات عشناها في فضاء عربي لا دخيل يعكره، يلتقي فيه مشرقه بمغربه في وحدة أساساتها اللُّغة والدين والتاريخ، وشعوب تتوق إلى التواصل والوحدة وتؤمن بقول المصطفى عليه الصلاة والسلام «المسلمون في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، الحديث الشريف، وتستشعر الأخطار التي تحيق بالأُمَّة... وخلافات وانشطارات وخصومات تخلقها السياسة والمصالح التي تخدم النظام الحاكم في كل دولة، وتحقق له البقاء والاستمراريَّة والتفرد... فحتى متى ستظل السياسة تفسد مصالح الأُمَّة وتفتت وحدتها وتربك حسابات الشعوب، وتئد تطلعاتها وطموحاتها؟ لطالما أحببت الوصول النهاري والدخول إلى بلد جديد في ضوء الشمس الساطع، المعرف بهويَّتها. فالرؤية الأوليَّة تقدم صورة تكشف للسائح بعضًا من ملامح الحياة، وثقافة المجتمع وتقاليده، ومؤشرات تقدمه أو تخلفه... وقد غادرنا مطار «هواري بومدين» الدولي، بعد ثلاث ساعات من المعاناة، من الإجراءات التقليديَّة المعقدة المعتمدة على القلم والورق، وانتظار الحقائب الضاغط التي تأخرت بدعوى التفتيش الدقيق لتجار الشنط العائدين من الصين محملين بالسلع والبضائع لبيعها في السوق المحلي، وهو عذر يأتي في عصر التقنيَّة والتقدم والحداثة والسباق والتنافس على السياح. العاصمة الجزائريَّة مدينة شاسعة مترامية الأطراف تمتد لمسافات واسعة، وتمتلك أحياء ومناطق كثيرة، وضواحي وأحياء تتوزع بين الأثرياء والفقراء والطبقات المتوسطة، فيها العصري والقائم على العشوائيَّة... وإنها لفرصة أن تهيأ لزائر الجزائر ارتشاف شيء من أعمال «سعيد خطيبي»، ما يروي ظمأه ويكشف له أسرار العاصمة تاريخًا وثقافة وتقاليدًا وتنوعًا قلَّ مثيله، في واحدة من هذه الصور التي يتقنها «خطيبي» يبدع نصًّا مدهشًا في إحدى رواياته، يقدم ملمحًا يتصف بالشموليَّة والغنى الثقافي، «أن تكون في الجزائر العاصمة يعني بالضرورة أن تعرف قصائد شيوخ الشعبي، وتحفظ بعضًا منها عن ظهر قلب، أن تستخرج من كلامهم أمثالًا وحكمًا، أن تستبدل الطاء والثاء بالتاء، كقول «تريق» بدل «طريق»، أو «تقيل» بدل ثقيل، أن تصغر الأسماء؛ فطوم بدل فطومة، بهيجة بدل بهجة، مريزق بدل مرزوق، أن تأكل السردين، مرة على الأقل في الشهر، أن تلبس بذلة شنغهاي الزرقاء، التي يرتديها الحمالون في الميناء، أن تعرف أزقة القصبة، وبعض تفصيلات معركة الجزائر، وتزور، من حين إلى آخر، مقام سيدي عبد الرحمن الثعالبي، وتشعل شمعة، وتتذرع له بالدعاء. أن تكون من الجزائر العاصمة يعني أن تفهم العربيَّة والفرنسيَّة والأمازيغيَّة، وتشتكي من الغرباء، الذين يأتون إليها من مدن داخليَّة، أن تتحدث بإيقاع بطيء، وتتعلم السباحة، في الصغر، في شاطئ وليس في مسبح، والأهم من كل ذلك، العاصمي هو من يحرس الأموات، ويعرف جغرافيًّا المقابر، فهو يدرك أنه لم يبنِ لا هو ولا أجداده شيئًا يذكر، بل يسكنون البيوت التي وجدوها، وعاش فيها غزاة من قبلهم، ففي الجزائر العاصمة، نمتلك الحق في الموت والدفن، لا الحق في التحرر أو في عيش مستقر. العاصمة أو «آلجي» أو إيكوزيوم، كما سماها الرومان، هي أرض للعابرين. مرفأ الرق والقراصنة، في زمن قديم، موطن لدايات وباشوات وآغاوات. خلوة النساك من يهود ونصارى ومسلمين. كل واحد من العابرين دسَّ في تربتها بذورًا تنمو أو تتحول. من جيل إلى آخر، يجد أبناؤها أنفسهم وقد تبدلوا وانتحلوا صفات غير التي وجدوا عليها آباءهم...».»يتبع».

سعود بن علي الحارثي

[email protected]