تعيش المنطقة اليوم حالة من التصعيد والتوتر نتيجة الحرب على الجمهوريَّة الإسلاميَّة في إيران، وما ترتب عليه من تداعيات كبيرة على مختلف الأصعدة الاقتصاديَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة والمعيشيَّة والتنمويَّة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، برزت سياسة سلطنة عُمان الثابتة، التي واصلت دورها في الدعوة إلى التهدئة وضبط النفس، وحثّ أطراف النزاع على تجنُّب التصعيد، مع اعتماد نهج الوساطة الهادئة، وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، وتغليب الدبلوماسيَّة المسؤولة كخيار استراتيجي دائم، ضمن سياسات متوازنة تعكس مسؤوليَّتها التاريخيَّة في دعم السلام وتعزيز الحوار، وترسيخ مبدأ الحياد الإيجابي.
على أن هذا النهج المتزن لم يكُن وليد اللحظة أو ردَّة فعل آنية على الأحداث أو نتاج ظرف طارئ أو تحولات مرحليَّة، بل هو مسار أصيل تبنَّته سلطنة عُمان انطلاقًا من قناعة راسخة بأن التمسك بالثوابت واستحضار المبادئ الوطنيَّة يشكِّلان أساسًا لتحقيق السلام العالمي، وتعزيز لُغة الحوار الإنساني، واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم التدخل في شؤون الآخرين. فالثوابت الوطنيَّة تمثِّل أصلًا لا يُساوَم عليه، وتجسيدًا عمليًّا لصون الهويَّة الوطنيَّة والمحافظة على المكتسبات، كما تمثِّل إحدى أدوات القوة الناعمة التي لا تقل أهميَّة عن الأبعاد الأخرى في حماية المقدرات الوطنيَّة والبنية الأساسيَّة، وصون المرافق والممتلكات العامة والأصول الوطنيَّة.
وتشكِّل هذه الثوابت جذورًا ممتدة لصناعة الأمن والسلام وتحقيق التنمية، وتعزيز مكانة سلطنة عُمان على الساحة الدوليَّة. فقد ارتبطت السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة بمنهج التوازن والحياد والمصداقيَّة في تعاملها مع مختلف القضايا الإقليميَّة والدوليَّة، مستندة إلى مبادئ الحق والعدل والمساواة، وعدم التدخل في الشؤون الداخليَّة للدول، وحل النزاعات بالطرق السلميَّة، واعتماد الحوار وسيلة لإدارة الاختلاف. كما تسعى هذه السياسة إلى تحقيق سلام عادل يحفظ سيادة الدول وهويات الشعوب، ويعزز التكامل الإنساني.
وقد أسهمت هذه السياسة الحكيمة في ترسيخ ثقة المواطن، وشعوره بالأمن والاستقرار، وبما توفره له من فرص العيش الكريم والاحترام. وفي المقابل، كان للسياسة الداخليَّة دور محوري في دعم هذه المنظومة، من خلال شموليَّة التنمية لكافة مناطق السلطنة، وتعزيز الوحدة الوطنيَّة، وترسيخ قيم الولاء والانتماء، ونشر ثقافة التسامح والتعايش والانسجام بين أفراد المجتمع. وهي قيم أصيلة متجذرة في هويَّة الإنسان العُماني، وأسهمت في تحقيق تنمية مستدامة على مدى عقود.
وعليه، فقد أنتجت هذه المرتكزات مساحات واسعة للتعايش بين أبناء المجتمع على اختلاف توجهاتهم، في إطار وحدة وطنيَّة جامعة، عززت من الاستقرار والأمن، ورسَّخت قيم التعاون والتكافل في مواجهة التحديات. كما أسهمت في بناء مجتمع متماسك، قادر على التكيُّف مع المتغيرات العالميَّة، مع الحفاظ على هويَّته وخصوصيَّته، ورفع مستوى الوعي لدى أفراده، بما يمكنهم من التعامل مع المستجدات بروح مسؤولة ومدركة لدورها.
وقد أثمرت هذه المنظومة المتكاملة في تعزيز الشعور الإيجابي لدى المواطن، بوصفه محور التنمية وغايتها، وأسهمت في بناء شخصيَّته وتمكينه، وتوفير فرص التعليم والتدريب، وتوجيهه نحو الالتزام بالقانون، واحترام الحقوق، وتعزيز العدالة الاجتماعيَّة وتكافؤ الفرص. كما أسهمت في رفع مستوى الوعي الفكري، الذي يُعدُّ ركيزة أساسيَّة في حماية المكتسبات الوطنيَّة، وتعزيز الانتماء، ومواجهة التحديات الفكريَّة المعاصرة.
وفي ظل عالم يشهد تحولات متسارعة وتحديات فكريَّة متزايدة، أصبح وعي المواطن العُماني والتزامه بالثوابت الوطنيَّة عاملًا حاسمًا في الحفاظ على الأمن والاستقرار. لذلك أصبح دور المواطن أصيلًا في المحافظة على الأمن والأمان في سلطنة عُمان، للقناعة بأنه كلما قوي الوعي الفكري للمواطن والتصق بالثوابت الوطنيَّة، أسهم ذلك في الحفاظ على المقدرات الوطنيَّة والتزم الثوابت العُمانيَّة المعززة لقيم المواطنة والولاء والانتماء؛ نظرًا لما يؤسسه الوعي الفكري من قوة معنويَّة خفيَّة، معرفيَّة ومنهجيَّة وتحليليَّة، يستوعب خلالها المواطن أدواره المتجددة ويقف على مسؤوليَّاته المتنوعة، ويمتلك القدرات والاستعدادات التي تؤهله نحو إعادة إنتاج واقعه ورسم خريطة مستقبله، فيعرف حقوقه ويدرك واجباته، ويحترم أفراده التزاماتهم الشخصيَّة في إطار من التشريعات والقوانين والأنظمة، وبرامج التعليم والتدريب، والاستراتيجيَّات الوقائيَّة والعلاجيَّة التي تسعى في جملتها إلى رفع درجة الحسِّ الوطني المسؤول وخلق وعي مجتمعي عام حول القضايا والمستجدات الحاصلة في محيطه الإقليمي والعالمي.
ومن هذا المنطلق، تواصل سلطنة عُمان نهجها المعروف في الداخل والخارج، القائم على السلام والتسامح والعمل المشترك، وهو نهج أصبح سمة مميزة للسياسة العُمانيَّة، وأساسًا في تعاملها مع مختلف القضايا. وقد انعكس ذلك في مواقفها المتزنة، وقدرتها على قراءة الأحداث بوعي، والتعامل مع الأزمات برؤية حكيمة، تسعى إلى تعزيز السلام، وحماية الإنسان من ويلات الحروب. فقد أنتجت هذه السياسة المتوازنة حكمة في المواقف ورصانة في قراءة الأحداث، وتقييمًا متوازنًا للواقع الدولي عامة وأحداث المنطقة خاصة، انعكست على الآليَّة التي تعاملت بها عُمان مع الأزمات السابقة والحاليَّة على المستوى العربي عامة والخليجي بشكل خاص، بما يعزز من عجلة السلام، ويرفع من سقف الوعي الإنساني لحماية البشريَّة من مخاطر الحروب وآثارها التي أرهقت الأوطان وشتَّتت الإنسان، وسلبت التنمية حقها. فقد التزمت السلطنة سياسة الحياد الإيجابي وكثَّفت من دورها في تقريب وجهات النظر، والاعتلاء من منصات الحوار وجمع الكلمة وتقريب وجهات النظر، للوصول إلى عمل مشترك يحفظ حق الجميع ويراعي خصوصيَّته، وفرضت مواقف جلالة السُّلطان المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ في الساحة الدوليَّة، أخلاقيَّة المواقف الثابتة والمتوازنة ومبادئ الوضوح ونديَّة التعامل.
وفي الوقت نفسه أسهمت الدبلوماسيَّة العُمانيَّة الهادئة في ترسيخ هذا النهج، الذي أفصح عن أخلاقيَّات العُمانيين وسِمات الشخصيَّة العُمانيَّة في هدوئها ووضوحها وصراحتها والتزامها في التعامل مع الآخرين، بما عزز من قواعد التوازن في طرح مواقفها والتعبير عنها بعيدًا عن الازدواجيَّة، والحرص على بذل كل ما هو ممكن لدعم أيِّ توجهات أو مبادرات تسهم في تحقيق الأمن والاستقرار والطمأنينة. لذلك ظلت جهود سلطنة عُمان حاضرة وحاضنة للجهود الدوليَّة والإقليميَّة التي تسعى إلى حل النزاعات بالطرق السلميَّة، وبناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
من هنا تظل الثوابت العُمانيَّة ركيزة أساسيَّة في بناء الدولة، وتعزيز دور سلطنة عُمان في عالم متغير وواقع مضطرب، حيث تمثل نموذجًا عالميًّا أصيلًا في تحقيق التوازن بين المصالح الوطنيَّة والمسؤوليَّات الدوليَّة. وهو مسار يحتاجه العالم اليوم، ليعيد فيه تقييم ممارساته وتشخيص واقعه، وإعادة رسم مساره، لعالم ترفرف على أراضيه مسيرة السلام والتنمية والتهميش والوئام في مواجهة الحروب والفقر والجزع والتشريد. فلقد حمل العُمانيون عبر تاريخهم الحضاري المشرق عقيدة السلام كأصل من أصول هذه الثوابت، تقاسموا فيه مع العالم أجمع آماله وأحلامه وطموحاته، وسعوا إلى مد جسور التواصل، وتعزيز قيم التفاهم والتكامل الإنساني. ومن خلال تمسكهم بثوابتهم الوطنيَّة، يواصلون الإسهام في بناء عالم أكثر توازنًا، قائمًا على الاحترام والتعاون، بعيدًا عن الصراعات والانقسامات، وحرصهم على مد جسور التواصل وخيوط الأمل لعالم يعمل على توظيف الاختلاف البشري لبناء منصات التكامل الإنساني، وقوة في الإرادة الوطنيَّة، وشعور بالتفاؤل والاحترام المتبادل وهو يصل إلى الآخرين من بني جنسهم، فيبني سعادتهم، ويبشّرهم بما يسرُّهم، وينثر فيهم ورود المودة نحو ما التزموا به من ثوابت ومعايير المنافسة، وشعورهم الجمعي بأن مسؤوليَّتهم لا تقف عند حد الذات أو البحث عن المصالح، بل بفتح نوافذ الأمل وتمكين الإيجابيَّة في مواجهة حالة التشاؤم والكآبة التي باتت تضع العالم اليوم أمام تحولات في موازين القوة العالميَّة وبروز قوى عالميَّة جديدة.
أخيرًا، فإن الثوابت الوطنيَّة اليوم أكثر من كونها قواعد في السلوك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتعاون الدولي، والتزامات أخلاقيَّة وتاريخيَّة وإنسانيَّة وتعبير عن الهويَّة الوطنيَّة وترسيخ للسمت العُماني، فهي منهج حياة، ومسيرة أُمَّة، ونهضة وطن، واستدامة تنمويَّة، وارتباط بالعالم وفق علاقات دوليَّة تحكمها القيم والأخلاقيَّات والمنافع المتبادلة تحفظ السيادة وتحافظ على الخصوصيَّة، ومساهمة في صنع المستقبل، توجّه السلوك، وتعزز الهويَّة، وتحمي المكتسبات، وتؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا، في وطن متماسك، ومجتمع واعٍ، ودولة عظيمة راسخة في مبادئها حكيمة في قراراتها.
د.رجب بن علي العويسي