استوقف التحذير التوعوي الذي أصدرته هيئة حماية المستهلك ونشرته بالصحف المحليَّة الأسبوع الماضي الكثير من القراء؛ كونه يحذر من خطورة محتملة على صحة وسلامة مستخدمي قلم مغناطيسي غير محدد العلامة التجاريَّة، وهو مخصص للأطفال ويندرج ضمن فئة ألعاب الأطفال.
جاء هذا التحذير الذي يشير إلى مواصلة جهود الهيئة في الحرص على حماية المستهلك؛ وذلك في عالم تتسارع فيه حركة التجارة، وتنفتح فيه الحدود الرقميَّة بلا قيود عالميَّة محددة المعالم.
وفيما أوضح التحذير الأضرار الصحيَّة لاستخدام هذا القلم فهو بذلك يعظِّم مسؤوليَّاتنا تجاه أطفالنا ويزيد من إدراكنا بأن مسؤوليَّة الأسرة لم تَعُد مقتصرة على توفير الاحتياجات الأساسيَّة للأطفال، بل تمتد إلى بناء منظومة حماية متوازنة تضمن سلامتهم الصحيَّة والفكريَّة دون أن تتحول تلك الحماية إلى عزلة تقطعهم عن العالم.
وطالما أن هذا القلم ليس لديه وكيل محلي معتمد، فإن وجوده والمنتجات المشابهة له بأسواق منطقتنا المنفتحة تجاريًّا على العالم ينبهنا بأن حريَّة التجارة وانفتاح الفضاء السيبراني ـ رغم ما يتيحانه من فرص واسعة للتعلُّم واكتساب المهارات ـ يضاعفان أيضًا حجم التحديات التي تواجهها الأسر في تربية الأبناء وصون قيمهم وصحتهم وسلامتهم.
لذلك يبرز التحذير كنموذج واضح للتحديات الجديدة التي فرضها الانفتاح التجاري والتسوق الإلكتروني. فالمنتج غير محدد العلامة التجاريَّة وفق ما أشار التحذير يرجح دخوله الأسواق المحليَّة عبر قنوات غير رسميَّة مثل التسوق الإلكتروني أو الاستيراد من دول الجوار، وهذا في تقديرنا يزيد من الخوف من استفادة بعض السلع من اتساع التجارة العابرة للحدود، وسهولة الشراء عبر الإنترنت، فتزيد فرصها في تجاوز الرقابة التقليديَّة.
كما لا تكمن الخطورة فقط في المنتج المعني فحسب، بل في البيئة الاستهلاكيَّة الجديدة التي تجعل وصول الأطفال إلى مثل هذه المنتجات عبر الإنترنت أكثر سهولة، سواء بشكل مباشر أو عبر غياب الوعي الأسري الكافي بمخاطرها.
وإلى جانب سهولة التسوق عبر الإنترنت لاقتناء منتجات ربما تكون غير آمنة، فإن الفضاء السيبراني نفسه أصبح نافذة مفتوحة على ثقافات وأفكار وأنماط سلوكيَّة متباينة بعضها يتناقض بصورة مباشرة مع القيم التي تسعى الأسر إلى ترسيخها في نفوس أبنائها، خصوصًا وأن الطفل اليوم لم يَعُد يتلقى معارفه وسلوكيَّاته من الأسرة والمدرسة فقط، بل أصبح يتأثر بمنصات رقميَّة ومحتويات عابرة للحدود، تتنوع بين المفيد والمشوِّش، وبين ما يثري الوعي وما يهدد البناء القيمي. لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في عزل الأطفال عن العالم الرقمي؛ لأن ذلك لم يَعُد ممكنًا أو منطقيًّا في عصر أصبحت فيه المهارات الرقميَّة جزءًا أساسًا من المستقبل التعليمي والمهني. كما أن الانغلاق الكامل قد يحرم الأطفال من فرص تطوير قدراتهم الذهنيَّة والإبداعيَّة، ويجعلهم أقل قدرة على التفاعل مع متطلبات العصر. لكن المطلوب هو إيجاد معادلة متوازنة تقوم على التوجيه الواعي لا المنع المطلق، وعلى الرقابة الذكيَّة لا السيطرة الخانقة.
فالأسرة اليوم مطالبة بأن تكون أكثر حضورًا بالحياة الرقميَّة لأبنائها وذلك عبر الحوار المستمر، وتعزيز التفكير النقدي، وتعليم الأطفال كيفيَّة التمييز بين المحتوى النافع والضار.
بهذا يظل بناء الثقة داخل الأسرة هو خط الدفاع الأول؛ لأن الطفل الذي يجد مساحة للحوار والتوجيه يكون أكثر قدرة على مواجهة التأثيرات السلبيَّة بثقة واتزان وأقل إقبالًا على شراء ما لا يعرف منافعه ومضاره عبر التنسيق مع والديه اللذين ينبغي أن يكونا أكثر وعيًا.
وعليه، فإن الانفتاح التكنولوجي والتجاري ليس خطرًا بحد ذاته، بل يصبح كذلك عندما يغيب الوعي وتضعف المتابعة. أما عندما تقترن مواكبة التطور بالتربية الواعية والرقابة المسؤولة فإن التكنولوجيا تتحول إلى أداة لبناء جيل أكثر معرفة وقدرة وانفتاحًا، دون أن يفقد هويَّته أو قيمه، وتظل الأسرة هي الأقدر على صناعة هذا التوازن الدقيق الذي يحمي الأطفال ويؤهلهم للحياة في عالم سريع التغيُّر.
طارق أشقر
من أسرة تحرير « الوطن»