الأربعاء 13 مايو 2026 م - 25 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : دور مجلس الدولة فـي تعزيز الهوية الوطنية

في العمق : دور مجلس الدولة فـي تعزيز الهوية الوطنية
الثلاثاء - 12 مايو 2026 10:23 ص

د.رجب بن علي العويسي

310

يُمثِّل مجلس الدولة إحدى ركائز مجلس عُمان وشريكًا أساسيًّا في منظومة الدولة ومؤسساتها، فقد جاء في عاطر خطاب حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ في افتتاح الدورة الأولى من الفترة الثامنة لمجلس عُمان في نوفمبر 2023، في قوله: «إن مجلس عُمان لشريك أساسي في منظومة الدولة.» إذ تُمثِّل الثقة السَّامية مرجعيَّة وطنيَّة تؤسس لفهم أعمق لموقع التشريع في منظومات الدولة العُمانيَّة المعاصرة، وتؤكد المكانة المرموقة للتشريع (البرلمان) في السياسات الوطنيَّة، ودوره الاستراتيجي في دعم مستهدفات رؤية «عُمان 2040» ومسارات التنمية المختلفة. كما تأتي إشادة جلالته ـ أعزَّه الله ـ في لقاء جلالته برئيس وأعضاء مكتب مجلس الدولة في الـ(22) من أغسطس 2025، بجهود وإسهامات مجلس الدولة وتعاونه مع المؤسسات الحكوميَّة للارتقاء بمسارات التنمية الشاملة في البلاد، تأكيدًا لهذه الثقة وتعظيمًا للدور المأمول من المجلس في مسيرة العمل الوطني، حيث تنبع أهميَّة مجلس الدولة من طبيعته الاختصاصيَّة؛ كونه بيت خبرة وطنيًّا يضم كفاءات متنوعة وخبرات عمليَّة متراكمة في المجالات السياسيَّة والدبلوماسيَّة والثقافيَّة والتعليميَّة والاجتماعيَّة والأكاديميَّة والاقتصاديَّة والأمنيَّة والعسكريَّة ومؤسسات المجتمع الأهلي، حيث يمكِّن هذا التنوع المجلس من قراءة التحولات الوطنيَّة والدوليَّة، واستيعاب آثارها على المجتمع العُماني، ويُشكِّل قوةً للمجلس في صناعة وتعظيم إنتاجيَّة القرار الوطني، ورسم ملامح الأثر التشريعي في الواقع الاجتماعي والاقتصادي والتنموي، وتحقيق التوازن في الرأي، والمهنيَّة في الطرح، وإثراء النقاش التشريعي، بما يمنح مشروعات القوانين والدراسات البرلمانيَّة عمقًا في التحليل ورصانةً في الطرح وبقاءً للأثر.

وقد أصَّل المشرِّع هذا الدور لمجلس الدولة في تعزيز الهويَّة الوطنيَّة من خلال ما نصَّت عليه المادة (53) من قانون مجلس عُمان الصادر بالمرسوم السُّلطاني رقم (7/2021)، التي أجازت لمجلس الدولة ـ من تلقاء نفسه ـ دراسة ومناقشة الموضوعات المتصلة بتنفيذ الخطط التنمويَّة، وتقديم مقترحاته بشأنها إلى الحكومة. كما أجازت له تقديم المقترحات والدراسات التي تسهم في ترسيخ القيم الأصيلة للمجتمع العُماني والمحافظة على منجزاته. وبهذا أصبح المجال مفتوحًا أمام المجلس ولجانه الدائمة لتناول موضوعات تتعلق بالمواطنة، والهويَّة، وصون التراث، وتعزيز الثقافة الوطنيَّة، وترسيخ القيم، بحيث تتكامل مفردات التنمية بمختلف أبعادها مع هدف ترسيخ الهويَّة الوطنيَّة في شموليَّتها وعمقها واتساعها.

إن دور مجلس الدولة في تعزيز الهويَّة الوطنيَّة يتجلى في بُعدين متكاملين؛ أولهما ما يتعلق بالدراسات البرلمانيَّة ومقترحات مشروعات القوانين التي ينفذها المجلس في إطار صلاحيَّاته التشريعيَّة، من خلال لجانه الدائمة أو اللجان الخاصة التي تُشكّل بقرار من رئيس المجلس وتتناول أحد مفاصل العمل الوطني ذات العلاقة بأولويَّة رؤية «عُمان 2040»، «المواطنة والهويَّة والتراث والثقافة الوطنيَّة»؛ كما تتجلى في مراجعة القوانين النافذة لضمان اتساقها مع الثوابت الوطنيَّة ومبادئ المجتمع العُماني، واقتراح سياسات وأحكام تشريعيَّة تستهدف المحافظة على السَّمْت العُماني الأصيل، وتثميره، ونقله للأجيال القادمة، حتى وإن تُركت صياغتها القانونيَّة التفصيليَّة للجهات المختصة في الحكومة.

أما البُعد الثاني فيتمثل في شخصيَّة المجلس وأنظمة عمله، حيث تتحول الهويَّة من مجرد مضمون تشريعي إلى ممارسة مؤسسيَّة يوميَّة؛ فإدارة الجلسات العامة وفق اللوائح المنظمة، والالتزام بأصول طلب الكلمة، وبناء الرأي والرأي الآخر بروح من الموضوعيَّة والتوازن، واحترام وجهات النظر المختلفة، كلها ممارسات تعكس ثقافةً عُمانيَّة عريقةً في الحوار والتوافق. كما أن معالجة الاختلاف في الرأي بين مجلس الدولة ومجلس الشورى بشأن مشروعات القوانين من خلال تشكيل لجان عمل توافقيَّة وعقد جلسات مشتركة، والاحتكام إلى القواعد المنظمة وإصدار القرار بالأغلبيَّة المطلقة للأعضاء الحاضرين، يجسد نهجًا مؤسسيًّا تشاركيًّا في إدارة الاختلاف، قائمًا على البحث عن المشتركات والتقارب، وتغليب المصلحة الوطنيَّة، كما يتعزز هذا النهج في طبيعة عمل المجلس بما نصَّ عليه القانون من اشتراط انتفاء المصلحة الشخصيَّة التي قد تؤثر على عمل عضو المجلس، بما يرسخ قيم النزاهة والمصداقيَّة، ويجعل من السلوك البرلماني إطارًا مهنيًّا وقيميًّا في آن واحد. كما أن التنوع في تشكيلة عضويَّة المجلس، وحضور المرأة فيه، وتعدد التخصصات والخبرات، يؤسس لمنهج تكاملي يعمق النقاش، ويثري الدراسات، ويمنح المقترحات بُعدًا وطنيًّا جامعًا، في انسجام مع فلسفة الشراكة التي أكَّد عليها جلالة السُّلطان في خطابه السَّامي.

ومن هنا فإن ترسيخ الهويَّة الوطنيَّة عبر البُعد التشريعي يُشكِّل اليوم مساحة أمان في مواجهة التحديات الفكريَّة والثقافيَّة، ويتيح تَبنِّي سياسات وطنيَّة تعزز حضور القيم في حياة الفرد والأسرة والمجتمع، وتعمل على استنطاق هذه القيم واستنهاضها في السلوك اليومي والممارسة المؤسسيَّة، كما يُسهم في تعظيم الهويَّة في فِقه الناشئة، عبر تضمينها في المناهج الدراسيَّة والبرامج التعليميَّة، وتشجيع المبادرات الشبابيَّة المرتبطة بإعادة إنتاج التراث والصناعات الثقافيَّة، ورصد أفضل الممارسات المجتمعيَّة المعبرة عن السَّمْت العُماني، والإعلاء من شأن النماذج الإيجابيَّة والقدوات الوطنيَّة، وبالتالي الانتقال بالهويَّة من دائرة الوعي النظري إلى دائرة الالتزام العملي؛ فحين تُسن القوانين وتُعتمد الإجراءات التي تدعم القيم المجتمعيَّة، ويؤطَّر الخطاب الإعلامي، وتُحفَّز المبادرات الثقافيَّة، وتُعزَّز مبادئ النزاهة والمسؤوليَّة والانتماء في ثقافة العمل المؤسسي، فإن الهويَّة تصبح حاضرةً في تفاصيل الحياة العامة، وعندها يصبح التشريع الطريق لتحويل القيم إلى معايير حاكمة للسلوك الوطني في مجالات التعليم والإعلام والاقتصاد والثقافة، ويجعل من الهويَّة والالتزام بها وتحديد مؤشراتها وصياغة معايير تقييم الهويَّة مدخلًا استراتيجيًّا يصنع من الهويَّة مرجعيَّة في تقييم السياسات والخطط.

لقد شكَّل اللقاء السَّامي لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ مع رئيس وأعضاء مكتب مجلس الدولة في الـ(22) من أغسطس 2025، وتأكيد جلالته ـ حفظه الله ـ على «أن مسؤوليَّة التعامل مع القضايا المطروحة على المستوى الوطني هي مسؤوليَّة مشتركة بين كافة مؤسسات الدولة وأجهزتها، وتوجيهاته بأهميَّة اعتماد آليَّات تنفيذيَّة فعَّالة تُحوّل المقترحات إلى خطوات عمليَّة تعالج قضايا المجتمع، وتُعزِّز تكامل مؤسسات الدولة، بما يضمن استدامة التنمية وصون المكتسبات؛ وضرورة توضيح الجهود المبذولة وما تحقق من منجزات عبر الإعلام ومنصَّات التواصل بإيصال الرسائل الصحيحة ورفع الوعي المجتمعي، بما يعزِّز ثقة المجتمع وشراكته»؛ خريطةَ طريقٍ لمجلس الدولة في مسيرة عمله القادمة، وتُمثِّل تحوُّلًا نوعيًّا في مساهمة المجلس في تعزيز الهويَّة الوطنيَّة وقيم الشراكة والمسؤوليَّة والوعي المجتمعي، إضافةً إلى ما أثمرت عنه لقاءات المجلس مع مجلس الوزراء بموجب المادة (77)، إطارَ عملٍ مُثريًا يضمن لهذا الإنجاز الواقعيَّة والاستدامة والتنوع والمساهمة في رفد الحكومة بالتوصيات والمقترحات العمليَّة في التعامل مع القضايا الاستراتيجيَّة الوطنيَّة، وبالتالي ارتفاع سقف توقعات المواطن فيما يمكن أن يقدمه المجلس من أرصدة نجاح قادمة مصحوبة ببُعد النظر وسعة الأفق والدراسة المتأنية والواعية، ملتزمةً الخصوصيَّة والسَّمْت العُماني في توجيه بوصلة العمل بما يعزِّز ثقة المجتمع، ويقوِّي شعور الانتماء والفخر بالمنجز الوطني.

وعليه، يبقى على مجلس الدولة ـ في إطار المادة (53) بما منحته من فرص استباقيَّة في دراسة الموضوعات ذات الصلة بالخطط التنمويَّة ومنظومة الهويَّة والقيم العُمانيَّة ـ أن يستثمرها في الانتقال من الأداء التقليدي إلى الدور المؤسسي النوعي والاستباقي، القائم على الرؤية والتأثير الفعلي واستشراف المستقبل وتحليل السياسات، منطلقًا من التشريع كمدخل رئيس لصناعة التحول المؤسسي والرقمي في بيئات العمل، وتعظيم مسار الحوكمة والتشريع للهويَّة الوطنيَّة، من خلال تطوير سياسات وطنيَّة منهجيَّة تحمي الهويَّة وترسِّخ السَّمْت العُماني، وتحتضن القيم والعادات والتقاليد الأصيلة، وتعمل على ابتكار وبناء أدوات أكثر قدرةً وتأثيرًا على التسويق للهويَّة والقيم الوطنيَّة، وإعادة إنتاج الممارسة القيميَّة في المجتمع، مع إيلاء اهتمام خاص بالشباب وطلبة التعليم وتحصينهم من المؤثرات الخارجيَّة المتسارعة، ومن خلال تعظيم مسار التشريع في حياة المجتمع، وتأصيل ثقافة البرلمان في مقاعد التعليم وأروقة مؤسساته. وهو أمر يتطلب أن تتجه بوصلة العمل في المجلس إلى تفعيل الشراكات المؤسسيَّة، وجودة الدراسات المتخصصة، واستثمار خبرات المجلس في تشخيص التحديات التي تواجه الهويَّة واقتراح المعالجات التشريعيَّة والتنظيميَّة والإعلاميَّة المناسبة، وإطلاق المبادرات والبرامج الوطنيَّة المتكاملة الموجهة نحو الهويَّة والسَّمْت والقيم العُمانيَّة، بما يعزِّز من مشاركة الشباب في صنع القرار، وتفعيل دور المجالس الطلابيَّة والاستشاريَّة، وترسيخ ثقافة المواطنة والاعتزاز بالرموز الوطنيَّة، إلى جانب توظيف الحضور البرلماني للمجلس إقليميًّا ودوليًّا للتعريف بمقومات الهويَّة العُمانيَّة وإبراز إرثها الحضاري.

أخيرًا، فإنَّ الهويَّة حين تستند إلى نصوص قانونيَّة واضحة، وسياسات عامة منظمة، تصبح أكثر قدرةً على مواجهة التحديات، وأكثر حضورًا في مفاصل الدولة والمجتمع. وهنا يؤدي المنجز التشريعي للمجلس وظيفته من خلال حماية الهويَّة والخصوصيَّة الوطنيَّة من الضمور والانصهار، ويمنحها في الوقت نفسه أدوات التجدد والابتكار، وإعادة إنتاجها بروح عصريَّة تستفيد من التقنيَّة والعالم الافتراضي بما يضمن للهويَّة الوطنيَّة الاستدامة والتأثير.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]