منذ بداية العهد السعيد، عهد النهضة المتجددة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ أدركت عُمان أن المُدن التي لا تُحسن قراءة الغد تظل أسيرة الأمس. من هنا تأتي أهميَّة المخطط الهيكلي لـ»مسقط الكبرى» الذي قام بتدشينه ـ بتكليفٍ سامٍ ـ مؤخرًا صاحب السُّمو السَّيد بلعرب بن هيثم آل سعيد، وزير الدولة ومحافظ مسقط، بشعار «مسقط الكبرى.. إرث خالد ورؤية متجددة». فهذا المخطط الهيكلي يُعَد إعلانًا جديدًا لوعيِ عُمان بالمستقبل وإيمانها بأن المُدن لا تُبنى بالحجر وحده، بل بالرؤية والإنسان وحكمة التخطيط.
لقد جاء هذا المخطط الهيكلي ليؤسس لرؤية حضريَّة متوازنة تُعلي من جودة الحياة، وتحفظ الهويَّة العمرانيَّة، وتمنح الإنسان مساحةً أوسع للعيش الكريم، والعمل المنتج والتواصل مع الطبيعة التي شكَّلت دومًا جزءًا من روح المكان العُماني. فهذا المشروع الحضري الطموح يعكس ما توليه الدولة من عناية متصلة بمستقبل العاصمة؛ باعتبارها الواجهة الحضاريَّة لعُمان والمرآة التي تعكس روحها المتجددة.
إن هذا الحدث المهم لم يكُن مجرد إعلانٍ إداريٍّ عن مخطط عمراني، بقدر ما كان أقرب إلى كتابة فصلٍ جديدٍ في سيرة المدينة. فـ»مسقط الكبرى» ليست تجمعًا عمرانيًّا فحسب، وإنما كائن حي ينمو على مهل بين الجبل والبحر، ويحمل في تفاصيله ذاكرة المرافئ القديمة وملامح النهضة الحديثة وطموحات الأجيال القادمة.
لا شك أن المتأمل لأحوال المُدن حول العالم يجد أننا في زمن تتشابه فيه المُدن حتى تكاد تفقد ملامحها. لكن مسقط حريصة دائمًا على أن تظل وفيَّة لخصوصيَّتها؛ فهي مدينة لا تبتلع الجبال بالإسمنت، ولا تُقصي البحر عن أهلها، ولا تستبدل ذاكرتها ببرودة النماذج المستوردة. والمخطط الجديد يحمل في جوهره محاولةً لصناعة توازنٍ نادرٍ بين الحداثة التي لا تنفصل عن الأصالة، والتنمية التي لا تعادي البيئة، والاتساع العمراني الذي لا يفقد المدينة روحها الجميلة.
ولعل أجمل ما في هذا التدشين أنه لا يتحدث عن الحاضر وحده، بل يخاطب المستقبل بثقة. ذلك المستقبل الذي تصبح فيه «مسقط الكبرى» فضاءً أكثر انسجامًا ومدينةً أكثر قدرةً على استيعاب التحولات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة دون أن تتخلى عن هدوئها الأليف ووجهها العُماني النبيل.
ويكتسب هذا التحول الحضري بُعدًا أكثر إشراقًا مع انضمام «مسقط الكبرى» إلى «نادي الابتكار للمناطق التجاريَّة العالميَّة»، في خطوة تعكس المكانة المتنامية التي باتت العاصمة العُمانيَّة تتبوأها على خريطة المُدن الحديثة. فهذا الانضمام لا يمثِّل مجرد حضورٍ رمزيٍّ في محفل دولي، بل يجسد اعترافًا عالميًّا بقدرة مسقط على بناء نموذج عمراني واقتصادي يوازن بين روح الابتكار وخصوصيَّة الهويَّة. ومن شأن هذه الخطوة أن تفتح أمام المدينة آفاقًا أوسع للتعاون المعرفي وتبادل الخبرات واستقطاب المبادرات النوعيَّة التي تعزز مناخ الاستثمار وريادة الأعمال، بما يرسخ حضور مسقط الكبرى مدينةً عربيَّة معاصرةً تفكر بعقل المستقبل، وتتحرك بثقة نحو اقتصاد أكثر استدامةً وتنافسيَّة.
وينطلق المخطط الهيكلي لـ»مسقط الكبرى» من خمسة أهداف رئيسة تُشكِّل في مجموعها ملامح الرؤية المستقبليَّة للعاصمة، إذ يسعى أولًا إلى بناء مدينة أكثر استدامةً وتوازنًا تُحسن إدارة مواردها، وتحافظ على بيئتها الطبيعيَّة. كما يهدف إلى الارتقاء بجودة الحياة عبر تطوير البنية الأساسيَّة وتوسيع المساحات العامة، وتعزيز الخدمات التي تجعل الإنسان محور التنمية وغايتها. كما يضع المخطط ضمن أولويَّاته تنويع الاقتصاد الحضري وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار والابتكار بما ينسجم مع التحولات الاقتصاديَّة الحديثة. أما الهدف الرابع فيتمثل في حماية الهويَّة العمرانيَّة والثقافيَّة لمسقط وصون خصوصيَّتها التي صنعت فرادتها بين مُدن المنطقة. فيما يتجه الهدف الخامس إلى تعزيز الترابط المكاني والحركي بين مكونات المدينة عبر منظومة عمرانيَّة أكثر كفاءةً وانسيابيَّة تسهم في صناعة مدينة متكاملة قادرة على مواكبة المستقبل بثقة واتزان.
إننا جميعًا نتطلع بشغف إلى رؤية مشروع «مسقط الكبرى» وهو ينتقل من حيز التخطيط إلى رحابة الواقع ليغدو نموذجًا حيًّا لمدينة عصريَّة تنبض بالتنظيم والجمال والاستدامة. ويزداد هذا التطلع اتساعًا مع ما نأمله من امتداد هذه الرؤية إلى مشاريع «صلالة الكبرى» و«نزوى الكبرى» و«صحار الكبرى» في إطار الاستراتيجيَّة العمرانيَّة التي تجسد مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، وتعيد رسم العلاقة بين الإنسان والمكان على أسسٍ أكثر توازنًا وكفاءةً. فهذه المشاريع لا تعبِّر عن توسع عمراني فحسب، بل تؤسس لمرحلة جديدة من التنمية المتوازنة بين محافظات سلطنة عُمان وتفتح المجال أمام مُدن أكثر قدرةً على استيعاب التحولات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، مع الحفاظ على الخصوصيَّة الثقافيَّة والبيئيَّة التي تميز كل مدينة عُمانيَّة وتمنحها روحها الفريدة.
إن عُمان تمضي بخطى هادئة، ولكن واثقة تشيد المستقبل بعقل الدولة وحكمة القيادة وإخلاص الإنسان للمكان. وما تدشين المخطط الهيكلي لـ«مسقط الكبرى» إلَّا شاهدٌ جديدٌ على أن هذه الأرض تعرف جيدًا كيف تصنع غدها دون أن تفقد روحها.
ناصر بن سالم اليحمدي
كاتب عماني