الأربعاء 13 مايو 2026 م - 25 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

كراسي بحثية تصنع اقتصاد المعرفة

الثلاثاء - 12 مايو 2026 04:20 م

رأي الوطن

320

تُمثِّل مبادرة (كراسي السُّلطان هيثم) البحثيَّة خطوةً تعكس تحوُّلًا نوعيًّا في نظرة سلطنة عُمان إلى دور البحث العلمي داخل معادلة التنمية الاقتصاديَّة، حيث ينتقل البحث من الإطار الأكاديمي التقليدي إلى مساحة أكثر تأثيرًا ترتبط بصناعة الحلول ودعم القطاعات الإنتاجيَّة وتعزيز القدرة التنافسيَّة للاقتصاد الوطني، في توجُّه ينسجم بصورة واضحة مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040» التي تضع المعرفة والابتكار ضمن أولويَّات المرحلة المقبلة. ويظهر إطلاق (كرسي السُّلطان هيثم للتقنيَّات المتقدمة) باعتباره بداية لمسار يستهدف تحويل الجامعات والمؤسسات الأكاديميَّة إلى منصَّات قادرة على التعامل مع التحدِّيات الوطنيَّة بعقليَّة علميَّة وتطبيقيَّة، بما يفتح المجال أمام إنتاج حلول ترتبط بالطاقة والتقنيَّة والصناعة والقطاعات التنمويَّة المختلفة، ويؤكِّد أن الاستثمار في العقول والكفاءات الوطنيَّة أصبح جزءًا من مشروع اقتصادي أشمل يسعى لبناء اقتصاد أكثر استدامةً وقدرةً على التكيُّف مع التحولات العالميَّة المتسارعة، خصوصًا في ظل عالم أصبحت فيه المعرفة أحد أهم عناصر القوة والنفوذ والتنافس بين الدول.

تسعى كراسي السُّلطان هيثم البحثيَّة إلى تأسيس منظومة علميَّة أكثر ارتباطًا بالواقع الاقتصادي واحتياجات التنمية المستقبليَّة، عبر بناء بيئة قادرة على استقطاب الخبرات النوعيَّة وتوجيه الطاقات البحثيَّة نحو إنتاج حلول عمليَّة تخدم القطاعات الحيويَّة في البلاد، حيث يمنح هذا البرنامج الجامعات والمؤسسات الأكاديميَّة دورًا أوسع يتجاوز التعليم التقليدي نحو المشاركة المباشرة في تطوير الصناعة والطاقة والتقنيَّات المتقدمة ودعم الابتكار، كما يُعزِّز من فرص بناء شراكات استراتيجيَّة مع المؤسسات العلميَّة العالميَّة بما يُسهم في نقل المعرفة وتوطين التقنيَّة ورفع كفاءة الكوادر الوطنيَّة، في وقت أصبحت فيه الاقتصادات الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على البحث العلمي باعتباره أداةً لإنتاج القيمة وتحقيق التنافسيَّة وتعزيز الاستدامة، وهو ما يضع سلطنة عُمان أمام فرصة مهمَّة لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرةً على التعامل مع التحوُّلات العالميَّة المتسارعة عبر الاستثمار في المعرفة والعقول الوطنيَّة.

ولعلَّ ما يمنح برنامج «كراسي السُّلطان هيثم البحثيَّة» أهميَّة استثنائيَّة يتمثل في اعتماده على منظومة حوكمة متكاملة تركِّز على قياس الأثر التطبيقي، وتحويل المخرجات العلميَّة إلى قيمة اقتصاديَّة واجتماعيَّة ملموسة، حيث ترتبط عمليَّة التقييم بمستوى ما تنتجه الكراسي من براءات اختراع وحلول معرفيَّة، ومنتجات مبتكرة قادرة على خدمة القطاعات المختلفة، ورفع تنافسيَّة الاقتصاد الوطني. كما يُعزِّز البرنامج من حضور البحث العلمي داخل عمليَّة صنع القرار عبر توفير دراسات وبيانات تستند إلى التحليل العلمي والمعرفة الدقيقة، بما يدعم بناء سياسات تنمويَّة أكثر كفاءةً وقدرةً على التعامل مع المتغيرات الاقتصاديَّة والتقنيَّة المتسارعة. ويواكب ذلك اهتمام واضح بدعم طلبة الدراسات العُليا، وتوسيع نطاق النشر العلمي، وإدارة الملكيَّة الفكريَّة وفق أفضل الممارسات العالميَّة، في توجُّه يعكس إدراكًا متقدمًا لأهميَّة بناء بيئة معرفيَّة مستدامة قادرة على إنتاج حلول طويلة المدى، وتعزيز موقع السلطنة داخل مؤشرات الابتكار والتنافسيَّة العالميَّة.

إن «كراسي السُّلطان هيثم البحثيَّة» تُمثِّل استثمارًا طويل المدى في بناء قوة وطنيَّة قائمة على المعرفة والابتكار، حيث تفتح المجال أمام تكوين جيل علمي يمتلك القدرة على إنتاج الحلول وتطوير التقنيَّات، والمشاركة في صياغة مستقبل اقتصادي أكثر استدامةً وتنافسيَّة. كما تمنح المؤسسات الأكاديميَّة دورًا أكثر تأثيرًا داخل المجتمع والاقتصاد عبر تحويل البحث العلمي إلى أداة ترتبط بالصناعة والتنمية وصناعة القرار. ويُعزِّز هذا التوجُّه من قدرة البلاد على بناء حضور أكثر فاعليَّة داخل الاقتصاد العالمي القائم على التقنيَّة والمعرفة، خصوصًا في ظل التحوُّلات المتسارعة التي تدفع الدول نحو الاستثمار في العقول والكفاءات الوطنيَّة باعتبارها الثروة الأهم في المستقبل، وهو ما يؤكِّد أن الرهان الحقيقي خلال المرحلة المقبلة يرتبط بقدرة المجتمعات على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قيمة اقتصاديَّة وتنمويَّة قادرة على خلق فرص جديدة، وتعزيز الاستقرار، وتحقيق النمو المستدام.