عدد السكان يُعَد مؤشرًا على حالة الاقتصاد والتنمية في أي دولة، ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، حافظت آسيا على أسرع معدلات النمو السكاني، تليها إفريقيا. ومن حيث الدول، أزاحت الهند الصين عن الصدارة، وأصبحت (1.47) مليار نسمة، وجاءت الصين خلفها بـ(1.41) مليار، وحافظت أميركا على المركز الثالث بفضل تشجيع الإنجاب والهجرة، وتأتي إندونيسيا في المركز الرابع، وباكستان خامسًا. وتتوقع المنظمات الدوليَّة أن يواصل عدد سكان العالم ارتفاعه حتى يبلغ ذروته في منتصف ثمانينيَّات هذا القرن، ليبلغ (10.3) مليار، صعودًا من (8.2) مليار، وهو العدد الحالي.
في القارة الإفريقيَّة، احتلت نيجيريا الصدارة بـ(242) مليون نسمة، تليها إثيوبيا، وتراجعت مصر إلى المركز الثالث، بعدما تراجعت معدلات النمو السكاني في السنوات الأخيرة من (2.6) إلى (1.4) في 2025.
هذا التراجع في الزيادة السكانيَّة لم تشهده مصر منذ حكم محمد علي، الذي أُجري في عهده أول تعداد سكاني في مصر عام 1810، وكان عدد سكان مصر (2.5) مليون نسمة، جراء تفشي الأوبئة والمجاعات والاضطرابات السياسيَّة عقب زوال الحكم العثماني وقدوم الحملة الفرنسيَّة. وتضاعف عدد السكان نهاية حكم محمد علي إلى (5) ملايين نسمة في عام 1848، حتى اشتكى الوزراء والنظار من تسبب كثرة الإنجاب في أزمات اقتصاديَّة، وأرجع الجبرتي، في كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» سبب ارتفاع أسعار السلع وقلة المساكن في القاهرة لزيادة السكان. وكرر رائد النهضة المصريَّة الحديثة علي مبارك الرأي نفسه في كتابه الشهير «الخطط التوفيقيَّة»، كما نشرت الصحافة المصريَّة في ذلك الوقت مقالات في جريدتي الأهرام والمقطم تدعو الناس إلى تنظيم النسل وترشيد الإنجاب حتى يكفي الإنتاجُ الاستهلاكَ المحلي، ولا تضطر الدولة إلى الاستدانة والاستيراد من الخارج.
الآن، عندما تسأل عروسين مقبلين على الزواج في مصر عن موقفهما من الإنجاب، تسمع عبارات من قبيل: «لن أنجب إلَّا بعد خمس سنوات، لا أريد تحمل مسؤوليَّة طفل الآن، أريد تخطي البدايات الصعبة، والتأكد من القدرة على توفير احتياجات الطفل المكلفة». ورغم أن سنهما تخطى الثلاثين، فإني ألتمس لهما العذر؛ فالوصول إلى بيت الزوجيَّة في مصر أصبح أمرًا شديد التعقيد. فبجانب موجات التضخم والغلاء المتسارعة، وأسعار الشقق المبالغ فيها، هناك مبالغة وتكلف شديد في الأثاث والفرش ومستلزمات المنزل، وكأن الحياة ستتوقف بعد دخول الحياة الزوجيَّة. ولا تقتصر المغالاة على الطبقات القادرة والمتوسطة؛ حتى الطبقات الفقيرة تشارك في هذه المعمعة: غسالتان، واحدة للكبار والأخرى للأطفال، وثلاجة وديب فريز، وعدد مهول من الشراشف والمناشف والمفارش والأغطية، تضيق بها أرفف المنزل. وأصبحنا نسمع كل رمضان عن حملات للتبرع، ومناشدات للقيادة السياسيَّة للإفراج عن الغارمات وسداد ديونهن، جراء توقيعهن على شيكات بنكيَّة وإيصالات أمانة للتجار لتجهيز البنات بشكل لا يقل عن الأقارب والجيران، حتى لو كان يفوق قدرة الأسرة الماديَّة.
تراجع الزيادة السكانيَّة في مصر وصل ـ في بعض الأماكن مثل محافظة الإسكندريَّة ـ إلى حالة السكون السكاني؛ فمعدل المواليد مساوٍ لعدد الوفيات، نتيجة تأخر سن الزواج، وقلة عدد الزيجات، وتراجع معدل الإنجاب. كما وصل عدد المستحقين للمعاش، الذين بلغوا سن الستين، إلى (11) مليون متقاعد، بينما عدد العاملين في الحكومة (4) ملايين فقط. هذا التراجع تعدُّه الحكومة إنجازًا نتيجة برامجها وسياساتها، بينما يعدُّه آخرون ناقوس خطر يهدد التوازن بين عدد الشباب وقوة العمل، والشيخوخة وعبء المعاشات والرعاية الصحيَّة.
محمد عبد الصادق
كاتب صحفي مصري