قبل سنوات أطلق جورج بوش الابن المقولة الشهيرة (من ليس معنا فهو ضدنا) وذلك عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ والتي استهدفت أبراج التجارة العالميَّة في نيويورك والبنتاجون.
في العام 2026م وبعد (25) سنة تقريبًا يأتي الرئيس الأميركي ترامب وبأسلوب تقسيم العالم إلى مع وضد، ومن ليس معنا فمؤكد أنه ضدنا، ويطلب من العالم الدخول إلى تحالفات دوليَّة فضفاضة لإحلال السلام الهش الذي تسبب هو أصلًا في القضاء عليه عبر العديد من السياسات والتوجهات منذ الدفع بأميركا بعيدًا عن المنظمات الدوليَّة مرورًا بأزمة فنزويلا والحرب الأوكرانيَّة الروسيَّة، واليوم بالفوضى الأمنيَّة التي يقودها في مضيق هرمز.
ما يهمنا فيما سبق هو هذا النوع من القيادات السياسيَّة عندما يكون على قمة هرم القوة العالميَّة، فهو يملك القدرة على إعادة صياغة فكرة الأمن والاستقرار الدولي، السلام والحرب، الأعداء والأصدقاء، وكما هو حال جورج بوش الابن الذي قسَّم العالم حينها بين دول مع الإرهاب ودول ضد الإرهاب من خلال معيار دعم الولايات المتحدة الأميركيَّة، فمن يسير خلف السياسات الأميركيَّة عسكريًّا على وجه الخصوص فهو ضد التطرف والعنف والإرهاب، أما من يرفض الدخول في المعارك الأميركيَّة فهو مع أعدائها ومع الإرهاب حينها.
والمؤسف أن يتم إعادة مقاييس العلاقات الدوليَّة ومعيار السلام والحرب، والعداوة والصداقة، والتحالفات، في عهد الرئيس ترامب بذات السياق الذي سار عليه الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن حيث قالها ترامب بكل صراحة وجرأة في تغريدة له على (Truth Social) بتاريخ الثاني من أبريل 2026م (44 5:: AM) «إن من يقف معه فقط لن يتعرض للأذى»، وهو بذلك يطلق تهديدات مبطنة لكل من لا يقف معه بالتعرض للأذى والخطر!
على ضوء ما سبق فإن السياسة الدوليَّة والعلاقات الدوليَّة في عهد الرئيس الأميركي ترامب تعمل وفق تحالفات خاصة وليس تحالفات دائمة، تحالفات لا يمكن التنبؤ بها من الناحية الاستراتيجيَّة. وعند مقاربة أميركا ترامب بروما القديمة بحسب المفكر والاستراتيجي في الأمن القومي الأميركي البروفيسور زبجنيو بريجينسكي في كتابه الاختيار (السيطرة على العالم أم قيادة العالم) «ط العام 2004 ص 241» فقد تم ملاحظة أن الولايات المتحدة الأميركيَّة لا تقبل المساواة مع الآخرين، سريعة في نداء الأصدقاء التابعين المخلصين، وهي لا تعرف خصومًا، بل متمردين فحسب، إرهابيين ودولًا ضالة» طبعًا بحسب بريجينسكي فهو يصف القوى العظمى.
إذًا يتحول المعارضون للولايات المتحدة الأميركيَّة في عهد الرئيس ترامب إلى أعداء ومتمردين كما فعلت معظم القوى الكبرى عبر التاريخ مع من يخالفونها التوجهات والسياسات الدوليَّة، وليس الرئيس الأميركي ترامب في العام 2026 سوى نسخة حديثة من الرئيس الأميركي جورج بوش في العام 2001م، وهكذا يجب أن تحافظ الولايات المتحدة الأميركيَّة على تفوقها الدولي من أجل مصلحة العالم.
وكما وفرت الحرب على الإرهاب بحسب تأكيد الرئيس بوش «فرصة عظيمة لقيادة العالم نحو قيم كفيلة بجلب السلام الدائم» فبكل تأكيد ستوفر الحالة الأمنيَّة والسياسيَّة التي يقودها الرئيس ترامب في الوقت الراهن ذات الفرصة العظيمة لجلب الأمن والسلام للعالم من وجهة نظر الإدارة الأميركيَّة الراهنة.
خلاصة ما أوَدُّ التنبيه عليه في هذا المقال هو أهميَّة الحذر من التوجهات الأميركيَّة في فترة الرئيس ترامب المتبقية تجاه الدول التي لا تساير الولايات المتحدة الأميركيَّة في توجهاتها وسياساتها الدوليَّة. فهي ـ وبحسب الرؤية الأميركيَّة المعاصرة ـ دول متمردة، ولا بد من كسر شوكتها وإخضاعها للنظام الأميركي، دول لا نستبعد خلال الفترة القادمة أن توصف ولو بشكل غير مباشر بأنها أعداء السلام والاستقرار الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركيَّة.
إن فشل الحلول الأميركيَّة في التعامل مع القضايا السياسيَّة والأمنيَّة في البيئة الأمنيَّة المعاصرة لا شك أنه تسبب وسيزيد من الأزمات والمخاطر التي تهدد الأمن والاستقرار الدولي، وكل الخوف أن تتوسع دائرة التهديدات والمخاطر خلال الفترة القادمة لتشمل المزيد من الجغرافيا السياسيَّة المستقرة حول العالم.
وإن كان من حكم واقعي وغير عاطفي أو انفعالي على السياسة الأميركيَّة الراهنة فهو أن توضع في ميزان النتائج النهائيَّة لسياساتها وتوجهاتها واندفاعاتها في البيئة الأمنيَّة الراهنة، وأستشهد في هذا السياق بمقولة لهنري كيسنجر «إنه ينبغي الحكم على القوى العظمى من خلال ما أتمت فعله».
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @