الاثنين 11 مايو 2026 م - 23 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

نبض المجتمع : «FOMO» تتلاشى

نبض المجتمع : «FOMO» تتلاشى
الأحد - 10 مايو 2026 10:54 ص

د. خصيب بن عبدالله القريني

40

تمثِّل الثقافة الاستهلاكيَّة، التي يروج لها النظام الرأسمالي العالمي، حجر الزاوية في عمليَّة توجيه رغبات الزبائن وميولهم الشرائيَّة دون وعي أو تفكير منهم، والتي ترتكز في أساسها على الجوانب الوجدانيَّة المرتبطة بالشعور بالتفرد والتفوق على الغير، والتي تغذيها آلة إعلاميَّة ضخمة تدار بمليارات الدولارات سنويًّا من أجل دفع المستهلك للشراء. يسمى هذا التوجُّه العالمي (fomo) وهو اختصار لعبارة باللغة الإنجليزيَّة ترجمتها (الخوف من أن يفوتك شيء)؛ فهي حالة سلوكيَّة نفسيَّة تجعل الفرد يلهث بحثًا عن الأحدث في كل شيء، سواء في ما يتعلق بالهواتف أو الأزياء أو الألعاب وغيرها من الجوانب الحياتيَّة. فترى الكثير من الناس يسافر لدولة ما لمجرد أنه يريد أن يجرب «كوفي» مُعيَّنًا، بحيث لا يفوته هذا الأمر ويصبح متخلفًا عن بقيَّة الناس، أو أنه يشتري هاتفا لـ»براند» معيَّن قبل الآخرين، وما الطوابير التي نراها سنويًّا لشراء الهاتف الذي تطرحه الشركة المعروفة في هذا المجال إلَّا مثال صارخ يترجم تحكم الرأسماليَّة العالميَّة في توجيه بوصلة الاستهلاك البشري حسبما تريد وتقرر. إن اللعب على مشاعر الناس وإيهامهم بأن هذه السلع إذا لم يقوموا بشرائها الآن فسوف تختفي، ويتفوق عليك كل من اشتراها، هو سلوك موجَّه يستغل الغريزة البشريَّة في السيطرة والتفوق على الغير ويوجهها لخدمة مصالحه، بل يصل الأمر بكثير من الشركات أن تقوم بحجب منتجاتها في المخازن وإيهام الزبائن بأن البضاعة غير متوافرة؛ وذلك لمزيد من اللعب على هذا الوتر الحساس لدى هؤلاء الفئة والمتمثل في الحاجة للتفرد. أتذكر قبل فترة كنتُ أشاهد مقطع فيديو لزبونة حصلت على حقيبة من علامة (ماركة) عالميَّة معروفة بعد مدة انتظار لا تقل عن سنة، وكيف كانت الدموع تنهمر من عينيها فرحًا بهذا الإنجاز العظيم لدرجة أنها غير مصدقة أنها أخيرًا حصلت على هذه الحقيبة المنتظرة، حيث ستتفوق بامتلاكها لها على صديقاتها ومعارفها، رغم الفضائح التي كانت تتوالى من الصين والتي تثبت بأن هذه الحقائب تصنع بسعر زهيد جدًّا وتباع بأسعار فلكيَّة، والتي يتحكم فيها اسم الشركة، فهي تبيع الاسم فقط، والعالم يشتري اسمًا أكثر من شرائه المنتج، وهذا ينطبق أيضًا على الهاتف الذي ينتظره الملايين سنويًّا.

إن هذا التوجُّه الرأسمالي بدأ يواجه تحديًا عالميًّا معاكسًا تمثَّل في هبة جديدة اسمها (jomo) والقائمة على الاستمتاع بما لديك من سلع دون الهرولة لكل ما هو جديد وحديث، فالشراء لكل ما هو جديد لم يجلب الاستمتاع والسعادة للناس، بل تراكمت عليهم الالتزامات الماليَّة والديون؛ مما ولَّد لديهم إحباطًا وشعورًا بعدم الارتياح نتيجة الصرف المبالغ فيه على الكماليَّات وعلى منتجات ليسوا بحاجة لها، فقط يتم شراؤها للتباهي ومواكبة الموضة العالميَّة دون وعي وتفكير في مدى الحاجة لشرائها! إن هذا التوجُّه العالمي قد بدأ بالتشكل منذ فترة ليست بالقصيرة، وهي أن اهتمام الكثير من الشباب في هذا الجيل غير مكترث بصورة رئيسة في متابعة الموضة بصورة رئيسة. فالاهتمام ينصب حول جوانب ومجالات تطويريَّة واقعيَّة تعتمد في الأساس على الفائدة المرجو والمتحققة من هذا المنتج؛ فالهاتف ليس مظهرًا، بل وسيلة يتم استغلال جميع إمكاناته. كما أن العزلة التي فرضتها وسائط الاتصال التقنيَّة قللت من اهتمام الناس بالشكليَّات والمقارنة مع الأصدقاء والزملاء، فلا يوجد هنالك تجمعات كثيرة كما كان سابقًا بحيث يتم إظهار هذه الموضات الشكليَّة من خلالها، فالجميع مكتفٍ بما لديه من برامج في هاتفه والتواصل يتم خلف الأبواب المغلقة، ولا حاجة لشراء كل شيء جديد.

إن وجود هذا التوجُّه ودعمه هو الطريق الحقيقي الذي من خلاله يمكننا أن نقف في وجه هذا التغول الوحشي للآلة الإعلاميَّة والاقتصاديَّة للرأسماليَّة والتي لا همَّ لها سوى استنزاف مقدرات البشريَّة دون حسيب أو رقيب بعيدًا عن كل مبادئ وأخلاقيَّات الإنسانيَّة.

د. خصيب بن عبدالله القريني

[email protected]