الأحد 10 مايو 2026 م - 22 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

من «الجزائر» إلى «تونس» مدن وحضارات وشواهد يزهو بها التاريخ «١ـ١١»

من «الجزائر» إلى «تونس» مدن وحضارات وشواهد يزهو بها التاريخ «١ـ١١»
السبت - 09 مايو 2026 10:14 ص

سعود بن علي الحارثي

30

أولًا: بضعة أفراد يعبثون بمصائر البشريَّة.

الجزائر وتونس بَلدان عربيان، لم أزرهما من قبل، ولا يزالان يتصدران قائمة الدول التي أرغب بشغف التعرف على مدنهما وصروحهما التاريخيَّة والحضاريَّة والأثريَّة، فكم تاقت نفسي التطواف والمشي والانعتاق في أزقة ومساجد وأطلال وجنائن وحارات «غرداية» الطينيَّة القديمة قدم الإنسان في المكان، وأصلي في مسجد أقدم جامعة في العالم، «الزيتونة»، بقلب المدينة العتيقة بتونس فخر الأُمة، التي تفصح بجلاء عن أمجاد وعظمة وزهو التاريخ الإسلامي، وأتحرى وأستشرف وأتلمس مواقع أقدام وحلقات وزوايا ومنابر، وطرقًا مشى عليها رجال عظام تفاعلوا معها وأثروا فيها، وتركوا رحيق علوم ومعارف، وتقاليد وشواهد وسلسلة من العناوين التي خلدها الزمن. ما زال طلبة العلم يستقون العلم من صفحاتها ومحاورها ومحتواها الغني بالأدب والفكر والفلسفة واللغة، وتخصصات تقدرها جامعات العالم، وأرواح طاهرة ارتقت نحو بارئها، ودماء تدفقت أنهارًا، دفاعًا عن الوطن والعقيدة والحريَّة والكرامة، أبطال وشهداء وقادة قدموا أنفسهم فداء لأقدس وأنبل ما تملكه الأمم... وفي الوقت ذاته فإن الخبرات والتجارب السابقة والحاليَّة تطالبني بالإسراع في زيارة البلدان العربيَّة التي لم أزرها سابقًا، قبل أن تعصف بها عواصف الحروب الأهليَّة والصراعات الداخليَّة، فحمدتُ الله أنني امتلكت الفرصة والحظ لزيارة سوريا والسودان قبل سنوات من الكوارث التي حلَّت بهما، وشعرت بالغصة والحزن لأنني لم أوفق فأطوف مدن اليمن وليبيا والعراق ولبنان، في فترات ازدهارها وعافيتها متأملًا أن تستعيد عافيتها، فيعود لها الأمن والاستقرار... وها أنا اليوم أحقق حلمًا ظل لسنوات يشتعل ويخمد ويثور من جديد، فاستقبلت بحماسة وشغف مقترح الأصدقاء الذين طفت بصحبتهم بلدانًا ومدنًا كثيرة في هذا العالم، وكان الإجماع بالموافقة على الفكرة التي أسعدتني، إيذانًا بإعداد البرنامج وحجز التذاكر والفنادق والبحث عن مزيد من المعلومات لأهم وأشهر المواقع السياحيَّة في كلا البلدين... ولأننا نفتقد الطيران المباشر من مسقط إلى معظم عواصم ومدن العالم، وهي واحدة من معيقات السفر التي تسبب الإزعاج والضغط وتهدر الوقت، فرحلات «الترانزيت»، تجعل ساعاتها تتضاعف وقد تتطلب مالًا أكثر، وهبوطًا وإجراءات مرهقة في مطار ثالث، فقد حجزنا على الطيران «القطري» مرورًا بالدوحة، فعسى أن ينتهي هذا التعقيد والتعسير إلى تيسير وتسهيل قريبًا... وبعد إتمام إجراءات الحجز، أي في مرحلة ما قبل موعد السفر بشهر ونصف تقريبًا نشبت الحرب التي شنتها كل من أميركا و»إسرائيل» على الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة، فاشتعلت منطقتنا الخليجيَّة، وأصيبت بشظاياها وأدخلت في أتونها رغمًا عنها وكانت طرفًا دون إرادة منها، فأغلقت مطارات خليجيَّة، وتوقفت رحلات الطيران وأعيدت جدولتها وتم تحويل بعضها، وتأثر ملايين المسافرين بهذا الظرف الأشد قسوة والأخطر تأثيرًا على بلداننا، وكادت هذه الرحلة أن تُلغى ومقصدنا أن يؤجل إلى زمن غير مسمى، لولا أن الجهود والمبادرات تسارعت والدول تعاونت فيما بينها فتم الإعلان عن وقف النار في ليلة الثامن من إبريل 2026م، فتنفس العالم الصعداء، وابتهجت الشعوب وانفرجت أساريرنا بعد التأكيد بأن رحلتنا سوف تنفذ في موعدها باستثناء تغيير شكلي يبدأ فيه برنامجنا من تونس وينتهي بالجزائر على عكس ما كانت عليه الحجوزات السابقة، تغيير تبين أنه سوف يكلفنا خسائر ماليَّة لتعويض إلغاء وتأجيل وتجديد حجوزات الفنادق والطيران الداخلي وإعادة جدولة البرنامج السياحي من جديد، فتجاوزنا المشكلة بتقديم السفر ليوم واحد والإقامة في أحد فنادق الدوحة، ومن مطار حمد ننطلق مباشرة إلى الجزائر في صباح اليوم التالي بعد أن حصلنا على الحجز المناسب... تطورات لم تكن في الحسبان تشهدها المنطقة تركت تداعيات كثيرة ارتفعت معها أسعار السلع الأساسيَّة وفي مقدمتها الوقود والنقل، ودمرت نفائس من الحضارة والإرث، وممتلكات ومشاريع وبنى أساسيَّة في عدة دول... في تجاهل للقانون الدولي والإنساني والفضيلة.. «يتبع».

سعود بن علي الحارثي

[email protected]