في ظل التحولات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والقيميَّة وتأثيراتها على التماسك الأسري والترابط الزواجي، ومع ما تشير إليه الإحصائيَّات من ارتفاع ظاهرة الطلاق في مجتمع سلطنة عُمان، حيث ارتفع عدد وثائق الطلاق بواقع (4,208) بنسبة (2.1%) في عام 2025م مقارنةً بـ(4,122) حالة طلاق في عام 2024، وسُجِّلت أعلى نسبة في محافظة مسقط بنحو (28.9%)، تليها محافظة ظفار بنحو (17%)، وتداعيات الحالة الزواجيَّة على انخفاض المواليد، وضعف الخصوبة، وتحديات التركيبة السكانيَّة في تراجع نسبة الشباب وارتفاع أعداد كبار السِّن، وزيادة العنوسة بين الإناث والذكور بشكلٍ عام، كل ذلك وغيره بات يطرح اليوم على منظومات الدولة ومؤسساتها البحث عن آليَّات وطنيَّة ومسار واضح يرفع من سقف المكوِّن الزواجي والبناء الأسري.
ومع ما تشير إليه الإحصائيَّات من ارتفاع في الزواج في عام 2025، حيث بلغت نسبة الارتفاع في عدد وثائق الزواج الصادرة من دوائر الكاتب بالعدل في سلطنة عُمان في عام 2025م (29.2%) لتصل إلى (23,117) ألف وثيقة مقارنة بـ(17,896) ألف وثيقة في عام 2024؛ إلَّا أن غياب الاستدامة، وتزايد المشكلات والتصدعات التي باتت تتهاوى عندها هذه الرابطة الزواجيَّة المقدسة تؤكد اليوم على أهميَّة إيجاد البرامج الوطنيَّة المعززة لهذا الرباط والمؤصلة له والسَّاعية نحو المحافظة عليه وديمومته وبقائه، والتقليل من تأثير الظروف الاقتصاديَّة والخلافات الأسريَّة والجوانب المتعلقة بالحُريَّة الشخصيَّة والاستقلاليَّة واستخدام المنصَّات الاجتماعيَّة من أن تؤثر سلبًا على هذه الرابطة الإنسانيَّة والأخلاقيَّة المقدسة، في ظل دعوات متكررة لسدِّ مسببات المشكلة أو التقليل منها، وعبر إيجاد المبادرات الوطنيَّة الداعمة لهذا الرابط والمحافظة على قدسيَّته، والحفاظ على أعلى درجات التوازن الأسري في التعامل مع هذه المعطيات التي باتت تشكِّل هويَّة الأسرة وتوجِّه مسارها وتضبط حركة إيقاعاتها، ما يؤسس لمرحلة متقدمة من العمل النوعي المؤطر والأداء المحوكم الذي تستحضر فيه كل المدخلات والعمليَّات والعوامل المؤثرة، بما تتطلبه من تفاعل الأُطر وكفاءة التشريعات وتكامل الجهود وتعظيم درجة الاستحقاقات والحوافز للأسرة حفاظًا على الكيان الأسري ودور الوالديَّة في حماية النسيج العائلي.
لذلك اتخذت الدولة من التشريعات والقوانين والأنظمة ما يحفظ هذه الحقوق ويحافظ على كيان الأسرة، ويعمل على تماسكها في مواجهة الظروف والمتغيرات، والحفاظ على سلامتها من كل التأثيرات السلبيَّة، وينأى بالأسرة عن كل ما فيه الضرر على الأبناء والزوجين وعلى المجتمع، بما يضمن تجنيب الأسرة كل مزالق الشطط والانحراف، وعملت على وقاية الأبناء ورعايتهم وإبعادهم عن شبح الخوف والقلق والضياع والتشرد الناتج عن طلاق الوالدين أو سوء التفاهم الحاصل بينهما، حيث شكَّلت هذه الموجهات مسار عمل للمنظومة الوطنيَّة العُمانيَّة في رعاية الأسرة وإدارة شؤون حياتها اليوميَّة، وفصَّل المشرع العُماني في ذلك الكثير مما يجسد روح الشريعة، ويؤسس لفقه الأسرة المسلمة، وأوجد المشرع العُماني من التشريعات والقوانين والأنظمة والأحكام ما يراعي عمق هذا المكوِّن والأبعاد المرتبطة به، لذلك جاء النظام الأساسي للدولة في المبادئ الاجتماعيَّة المشار إليها في المادة (15) منه مؤطرًا لهذا النهج، وضامنًا لبناء الأسرة بوصفها من أعظم المرتكزات التي تحافظ على هيبة المجتمع العُماني وخصوصيَّته، مع اليقين بأن المكوِّن الأسري في عمقه واتساعه يتفاعل وبقوة مع كل أولويَّات رؤية «عُمان 2040»، انطلاقًا مما تمثِّله الأسرة من دور محوري في مسيرة البناء الإنساني والوطني والأخلاقي.
وإن من بين المبادرات الوطنيَّة التي انتهجتها الحكومة في سبيل تحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040» الوطنيَّة لبناء مجتمع متماسك وأسرة قويَّة قادرة على التكيف مع الواقع والعيش بسلام وأمان ومودَّة ورحمة، برنامج «رفقة حياة»، والذي يستهدف رفع وعي المقبلين على الزواج، وإكسابهم المهارات النوعيَّة والناعمة في التواصل الزواجي وإدارة الخلافات الزوجيَّة والإدارة الماليَّة، وتصحيح المفاهيم الخاطئة عن الزواج، وتعظيم الإرشاد الزواجي وربطه بالمسؤوليَّة المجتمعيَّة، ثم تبنِّي مسار تدريبي واضح وقياس أثره على الفئة المستفيدة من البرنامج والمبادرة، سواء المقبلون على الزواج عبر برنامج «إعداد»، أو المتزوجون حديثًا في السنوات الأربع الأولى من خلال برنامج» تماسك»، وفق محتوى منهجي موحد ومسار ثقافي متنوع، وبرامج تطبيقيَّة تدريبيَّة على شكل: حلقات عمل حضوريَّة، وجلسات تفاعليَّة، ومجموعات عمل منفصلة، يقوم عليها متخصصون وأكاديميون ومستشارون أسريون ونفسيون.
وإذ تُثمَّن هنا الجهود التي تبذلها وزارة التنمية الاجتماعيَّة الموقَّرة في دعم استقرار الأسرة العُمانيَّة وتعزيز تماسكها، فإن هذه المبادرة تأتي استجابة واعية لمطلب اجتماعي متنامٍ، وتجسيدًا عمليًّا لرؤية الدولة في بناء مجتمع متماسك ومستقر. كما تعكس المبادرة حرص الوزارة على التفاعل الإيجابي مع مرئيَّات المجتمع وما يطرحه من أفكار وتحديات في ظل التحولات المتسارعة التي تعيشها الأسرة، واستشرافها للدور المستقبلي للأسرة في بناء عُمان القادمة، من خلال تبنِّي برامج نوعيَّة تعزز الوعي، وترتقي بجودة الحياة الأسريَّة، وتدعم مسارات التنمية المستدامة. فإن الغايات التي يمكن أن تستهدفها هذه المبادرة وتعمل على تحقيقها من خلال المحتوى الفكري والمعرفي والثقافي والديني والاستراتيجي الذي يتلقاه المستهدفون من البرامج المشار إليها، يمثِّل نقطة تحول في إعادة الهيبة للأسرة العُمانيَّة في فِقه الناشئة بأهميَّة احترامها وتقديرها، وتأكيد المحافظة عليها، من خلال تشجيع الزواج، وتعميق قيم تكوين الأسرة والمحافظة عليها، وتصحيح الصورة السلبيَّة حول ما يعنيه الزواج من التزام ومسؤوليَّات وواجبات أسريَّة، وتأكيد منهج التوازن في هيكليَّة بنائها والتجديد فيها بما يحفظ لها هويَّتها العُمانيَّة وما تنعم به من روح التسامح والتناغم والمشتركات الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة والسلوكيَّة وتقاسم المسؤوليَّات، والتي هي انعكاس لقيم الإسلام العظيمة، وتوظيف المفاهيم والمفردات المرتبطة بالطموح والاحتياج والاستقلاليَّة والحريَّة والصلاحيَّات والتمكين والثقة والاحترام والمودَّة والرحمة والخيريَّة والقول الحسن في إطار الفطرة السويَّة والنظام الآمن والمنهج الرشيد، كمنطلقات لاستمراريَّة نجاح الأسرة وقدرتها على التكيف مع الواقع المتجدد، ومساهمتها في إنتاج ثقافة مجتمعيَّة قادرة على الاستدامة والصمود في مواجهة المتغيرات المقلقة.
وفي إطار البُعد الاستراتيجي والاستشرافي لهذه المبادرة، فإنها تمثِّل مدخلًا وطنيًّا نوعيًّا لبناء نموذج أسري تنافسي قادر على صناعة التغيير وبناء الفرص، والحد من الهدر الاجتماعي والاقتصادي الناتج عن الطلاق وتداعياته، وذلك من خلال الاستثمار في الأسرة، ورفع كفاءة الوعي الزواجي وتعزيز جودة الحياة الأسريَّة منذ المراحل الأولى لتكوينها. كما تسهم المبادرة في التعامل الواعي مع التحولات الديموغرافيَّة، بما في ذلك انخفاض معدلات المواليد، وتراجع نسبة فئة الشباب، وارتفاع أعداد كبار السن، وقلة الخصوبة، وما تفرضه هذه المعطيات من تحديات على التركيبة السكانيَّة واستدامتها. ومن هذا المنطلق، فإن بناء أسرة مستقرة وواعية وقادرة على التكيف يمثِّل ركيزة أساسيَّة في دعم التوازن السكاني، وتعظيم العائد الاجتماعي من الزواج، وتحويله إلى قيمة مضافة في مسار التنمية الوطنيَّة، بما يعزز من تنافسيَّة النموذج العُماني في إدارة الملف الأسري، ويؤسس لمرحلة أكثر كفاءة في توجيه السياسات الاجتماعيَّة والحد من كلفة التدخلات العلاجيَّة اللاحقة.
أخيرًا، تبقى هذه المبادرة فرصة متجددة وخيار قوة وطنيَّة، في إعادة تصحيح الصورة الذهنيَّة السلبيَّة التي يتلقاها الشباب المقبل على الزواج من أقرانه المتزوجين أو ممَّن عايشوا التجربة الزواجيَّة، وتعرضوا في حياتهم الزواجيَّة لحالة من عدم الاستقرار وغياب الثقة وضياع الودِّ، ما يؤكد على أولويَّة اجتثاث مسببات الهدر ومنغصات الاستقرار، بالشكل الذي يضمن الحفاظ على الترابط الأسري وقدسيَّة الزواج واحترام كلا الزوجين لمسؤوليَّاته نحو الآخر، والوفاء بالتزاماته في إطار من الثقة والحق والعدل والمسؤوليَّة والمشاركة، كما يبقى نجاحها مرهونًا بحجم الأثر الذي تصنعه وقدرتها على تعريض المستهدفين لمواقف محاكاة واقعيَّة وفق برامج تتبعيَّة ومناهج علميَّة تقيس التحول الحاصل والنتائج وفق مؤشرات واضحة وأدوات دقيقة تشخّص الخلل وتقف على موضع التحدي وتقدم بدائل ومساحات أمان أكبر للمعالجة، مما يعني الحاجة إلى توفير محتوى إثرائي منافس ومقنن وعملي يقترب من طبيعة النموذج العُماني والممارسة الحياتيَّة اليوميَّة ما يشجِّع الزوجين على صناعة البدائل، والاستثمار في الموارد والممكنات والقدرات والمواهب، لتصبح أسرة منتجة، قادرة على الاعتماد على الذَّات واستثمار الفرص، يسودها الودُّ والرحمة والسلام، ويظلها الشعور الجمعي القادر على ضبط واحتواء الصورة الذهنيَّة غير السارة وتصحيحها، وتوظيف المكونات التشريعيَّة والتنظيميَّة والمؤسسيَّة والتقنيَّة والتنمويَّة والثقافيَّة في إعادة تأهيل البناء الأسري، وتقديم نماذج تنافسيَّة وقدوات تجسد الشخصيَّة العُمانيَّة والصورة النموذجيَّة التي قدمها الآباء والأجداد حول الاحترام الزواجي والترابط الزواجي والاستقرار الأسري.
د.رجب بن علي العويسي