الأحد 10 مايو 2026 م - 22 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

هل يجوز استخدام أموال الزكاة فـي الوقف الخيري؟

هل يجوز استخدام أموال الزكاة فـي الوقف الخيري؟
السبت - 09 مايو 2026 10:09 ص

نجوى عبداللطيف جناحي

20

من سنن الله في خلقه أن يوزع النعم بين الناس بنِسَبٍ متفاوتة، فلا يتساوون في الغِنى والفقر، ولا في القوة والضعف، بل يجعل بينهم اختلافًا لحِكَمٍ عظيمة. قال تعالى: في سورة الزخرف الآية 32: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فقد بين الله تعالى أن هذا التفاوت ليس لحكمة يعلمها الله وحدة، فهو بتقديرٍ رباني دقيق، فمن الناس من وسع الله عليه في الرزق، ومنهم من قُدِّر عليه رزقه، ليكون ذلك ابتلاء من الله سواء بالسراء أو الضراء؛ فالغني يختبر بالشكر والإنفاق، والفقير يختبر بالصبر والرضا. كما أن هذا التفاوت يحقق التوازن في المجتمع، ويجعل الناس في حاجةٍ بعضهم البعض، فيتعاونون ويتكافلون.. ومن هنا تظهر حكمة التشريعات في العبادات الماليَّة، وجعل بعضها فريضة، وبعضها مستحبة، ولها الأجر الكبير، كالزكاة والصدقات، تلك العبادات الماليَّة من شأنها سد الفجوة بين الغني والفقير وحماية المجتمع من الطبقيَّة الاجتماعي غير المتوازنة، وتعزيز روح الرحمة والتراحم بين أفراد المجتمع. ويُعَدُّ كلٌّ من الزكاة والوقف الخيري من أهم أبواب الخير في الإسلام؛ إذ يسهمان في تحقيق التكافل الاجتماعي ودعم المحتاجين وبناء مجتمع متماسك. ومع ذلك، يخلط بعض الناس بينهما، ويتساءلون: هل يمكن استخدام أموال الزكاة في إنشاء وقف خيري؟ خصوصًا إذا كانت زكاة الشخص تبلغ مبالغ كبيرة يمكن أن يشترى بقيمتها عقار ويوقف لصالح الفقراء.

لفهم الإجابة، لا بُدَّ من التمييز بين الحكمة من الزكاة والحكمة من الوقف الخيري. فالزكاة فريضة ماليَّة محددة بشروط وأحكام، ويجب صرفها في مصارف معيَّنة نصَّ عليها الشارع، في قوله تعالى: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (التوبة: 60). فقد حدد الله مصارفها بشكل واضح، وأهم ما يميزها أنها تقوم على تمليك المال للمستحقين، كالفقراء والمساكين، بحيث يصبح المال ملكًا لهم يتصرفون فيه بحريَّة لسدِّ احتياجاتهم المعيشيَّة من أكل وشرب وعلاج وسكن. أمَّا الوقف الخيري فهو حبس الأصل وتسبيل منفعته لأوجه الخير، دون تمليك هذا الأصل لأي فرد. فالاستفادة من مال الزكاة بالنسبة للفقراء تكون مباشرة، ومحددة القيمة، أمَّا الوقف فالاستفادة تكون من ريع الوقف أو من منفعته مباشرة كسنى العقار الموقوف.

من هنا يظهر الفرق بين الزكاة والوقف؛ إذ لا يمكن الجمع بين شرط التمليك في الزكاة وشرط الحبس في الوقف في الوقت نفسه. ولذلك، يرى جمهور العلماء أنه لا يجوز استخدام أموال الزكاة لإنشاء وقف، مثل بناء عقار وقفي أو مشروع دائم من أموال الزكاة؛ لأن ذلك يمنع تمليك المال للمستحقين مباشرة. وقد أجمع العلماء على عدم جواز توظيف أموال الزكاة في الوقف الخيري، وضرورة تمليكها للمستحقين في حينها. وعليه لا يجوز الخلط بين الوقف الخيري والزكاة. وعمومًا فإن الزكاة والوقف كلاهما من أعظم وسائل الخير، لكن لكلٍّ منهما مجاله وأحكامه الخاصة. فالزكاة تُعنى بسدِّ حاجات المحتاجين بشكل مباشر وفوري، بينما يهدف الوقف إلى تحقيق نفع دائم ومستمر ولا يستفاد من المال بشكل مباشر. ومن الحكمة الالتزام بأحكام كل منهما، حتى تتحقق الغاية المرجوة من كليهما في بناء مجتمع متكافل ومتوازن... ودُمْتُم أبناء قومي سالمين.

نجوى عبداللطيف جناحي

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية

متخصصة في التطوع والوقف الخيري

[email protected]

Najwa.janahi@