الأربعاء 13 مايو 2026 م - 25 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

«قراءة بلاغية تربوية فـي بعض آيات الحج» «1»

الأربعاء - 06 مايو 2026 02:52 م
20


سيهلُّ علينا بعد أيامٍ قلائل شهر ذي الحجة المبارك، ونعيش في ظلال تلك الفريضة الإسلامية الكبيرة، نسأل الله أن يمنُّ على الجميع بحج بيته الحرام، وإقامة النسك الكريم، ونتجول هنا في حدائق، ورياض الكتاب العزيز في آياتٍ، وسورٍ، تحدثت عن أحكام الحج، وحكمه، ونسير بين زهورها، ونقطف بعضًا من ثمارها، ونتفيأ قليلًا في ظلال أشجارها، ونعبق بعضًا من عبيرها، ومسكها الفواح، وشذاها الذي ملأ السفوح، والقمم، والمنخفضات، والبطاح. يقول الله تعالى:(الحَجُّ أَشهُرٌ مَعلُومَاتٍ فَمَنْ فَرَضَ فِيهّنَ الحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الحَجِّ وَمَا تَفعَلوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمُه اللهُ وتَزَوَدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَقُونِ يَا أُوليْ الأَلبَابِ) (البقرة ـ ١٩٧). تلك آية من آيات الحج الأكبر، تتحدث عن أمورٍ كثيرة، منها زمن الحج، ووقته، ومنها ما يلزم الحج إذا نوى الفريضة، ودخل دخولًا حقيقيًّا في أداء نسكها، ومنها ثواب الحج، وانغماسه صاحبه في أعماله، وعلم الله بكل أحواله، وطاعاته، ومنها وجوب التزود بالتقوى؛ لأنها خير زاد إلى يوم المعاد، وأن أولي الألباب وأصحاب العقول الحية، وأهل الله هم من يحسنون طريق التقوى التي هي خير الطرق لأنها الطريق الأقرب، والواضح لاستنزال رحمة الله، واستمطار عفوه، ورضاه، وهي الفضيلة التي هي هدف أهداف الرسالات، وغاية غايات الفرائض، وتاج رأس الأخلاق، وأن من حصلها سعد في دنياه، وبلغه الله آماله في أخراه، ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته، ويُعظم له أجرًا، وهي وصية الله للعالمين: مسلمين، وغير مسلمين:(ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله)، وهي خير الأخلاق، وسيدة القيم، والطريق إلى مرضاة الله، وتحصيل كل ألوان العلم:(واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم). بدأت الآية الجليلة بالجملة الاسمية التي تفيد ثبات الحكم، واستمراره، وأبديته، وأزليته: “الحج أشهر معلومات” بتعريف المبتدأ (الحج) بـ(أل) العهدية الذهنية، وهي من أنواع (أل) المعرفة، أي: الحج المعلوم في ذهن، وعقل، ووعي كل مسلم، وليس جنس الحج، والعمرة، إنما هو حج الفريضة الذي به تجزئ عن العبد، ومن خلاله يرفع عن الإنسان الذي حقق شروط الحج مطالبة الدين له، وإلزامه به، فقد قام بكل مطالبه، وأحكامه، وسننه، وآدابه، فذهب في أشهر الحج (شهر ذي القعدة، وشهر ذي الحجة والمحرم)، فهذه ثلاثة أشهر متواليات، و(رجب) الشهر الفرد الذي يكون وحده، وليس متابعًا للأشهر الثلاثة الأول في الترتيب؛ ولما كان الجمع جمع قلة فقد جاءت كلمة (أشهر) على وزن (أفعل) بفتح الهمزة، وتسكين الشين، وضم الهاء، وكسر الراء، منونة لكونها مضافة إلى (أشهر)، فهي جمع قلة (أي: يبدأ من ثلاثة إلى العشرة)، فإذا زاد عن ذلك صار جمع كثرة، ويعبر عنه بوزن من أوزان الكثرة، وهو وزن فعول، كما قال تعالى: “إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله..)، ووردت كلمة (معلومات) مرفوعة؛ لأنها صفة لكلمة (أشهر) التي هي خبر المبتدأ (الحج)، فهي جملة اسمية، وقد وضعت الجمل الاسمية لتقرير الحكم، وتثبيت الاعتقاد، واستمرارية الدلالة، فهو أي: الحج (أشهر معلومات)، فهي معلومة معروفة مدى الحيوات حتى يوم القيامة، والوقوف بالعرصات للسؤال والحسابات، ودخول الجنات، والعيش في رضا رب الأرضين، والسماوات. فقد قررت الآية زمن الحج، وفرضته، وعلى الخلق من المسلمين، والمؤمنين الالتزام بأزمانه، والقيام به في أوقاته؛ ليقبل منهم، ويعودوا إلى ديارهم غانمين، وبالمغفرة والرحمة، والتوبة محصلين؛ فمن حج البيت، فلم يرفث، ولم يفسق، ولم يجادل بالباطل رجع من حجه كيوم ولدته أمه، كناية عن ابيضاض صحيفته، ونقاء روحه، ورجوعه كأنما خلق لتوه، دون ذنب اقترفه، ولا معصية أتاها، فقد عاد أبيض الصحائف، نقيًّا، مغفورًا له، كأنه قد ولدته أمه، لا ذنب عليه، ولا توجد خطيئة واحدة في سجل كتابه، فلو مات دخل الجنة من فوره. فالتعبير في أول السورة بالجملة الاسمية يبين ثبات الحكم، واستمراره عبر الأزمان، والحقب، واستيعابه لعمر الدنيا كلها، واحتواءه لأزمنة الدهر كله، وهو كناية عن اطمئنان القلب المؤمن على أحكام دينه، وثباتها في كل زمان ومكان، وأزليتها، وفيه كمال للحكم، وصلاحيته لكل مراحل الحياة، وتطورات الوجود، ويمكن أن تأتي الصفة مفردة (أشهر معلومة)؛ لأن ما لا يعقل يعامل معاملة المفردة المؤنثة، نحو: “أيامًا معدودات”، “وأيامًا معدودة”، ونحو: “والنخل باسقات”، ونحو: “كأنهم أعجاز نخل منقعر”، ولم يقل: “منقعرات”، وهكذا هنا راعى حكم الصفة: إفرادًا، وتثنية، وجمعًا، ولم يصفها بالمفرد؛ لبيان قيمتها، وعلو مكانة تلك الأشهر المعينات، المعروفات، المشهورات عند كل مسلم. ثم شرع في بيان ما على الحاج في تلك الأشهر، فجاء بالفاء العاطفة للجمل، أو فاء الاستئناف، وأتى بالجملة الاسمية الشرطية؛ ليبين كمال الحكم، واستمراره، وسرمديته، وأزليته، فقال: “فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج”. ومعنى فرض هنا (والمرء لا يفرض أحكامًا على نفسه): ألزم نفسه، ونهض بنيته في أداء نسك الحج، وكأن حبه لدينه، والتزامه بكل ما يتطلبه الحج، كأنه فرضه بنفسه: حبًّا، وودًّا، وتوقيرًا، ومهابة، وعشقًا، واتباعًا لسنة رسوله الكريم، الفاعل هنا (في فرض) ضمير مستتر جوازًا يعود على الحاج، أيًّا كان شابًّا أو شيخًا، رجلًا أو امرأة، أو فتاة، أو فتى، أسود، أو أحمر، في الشرق، أو في الغرب، من العرب، أو العجم؛ لأن (من) الشرطية، أو (من) الموصولة تعني ذلك كله، وفيه كناية عن توقير فاعلها، وتكريمه كبيرًا كان أم صغيرًا، عظيمًا كان أم من الدهماء، جليلًا كان، أم ذا شأن قليل، فالجميع مشمول بالحكم، فلا فضل لغني على فقير، أو لكبير على صغير، الجميع عند الله سواء، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، وحسن العمل، والإخلاص، وابتغاء مرضاة الله.

د.جمال عبدالعزيز أحمد