الأربعاء 06 مايو 2026 م - 18 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

فن الدبلوماسية «كاريزما الشخص وفلسفة اختيار الألوان»

فن الدبلوماسية «كاريزما الشخص وفلسفة اختيار الألوان»
الثلاثاء - 05 مايو 2026 10:55 ص
320


تتسابق المدارس الدبلوماسيَّة المتخصصة بكاريزما الألوان، سواء في اختيار الملابس حسب المناسبات أم اختيار ألوان الأثاث المنزلي أو مكاتب العمل، وغيرها من مفردات الحياة اليوميَّة ليجتمع الخبراء من (علماء النفس الاجتماعي، المعماريين، مختصي التصميم الداخلي، شركات الفاشن الحديثة) ليضعوا اللمسات الراقية والأنيقة في كل مفردة من مفردات الحياة الشخصيَّة والاجتماعيَّة، وكذلك الرسميَّة. كانت البداية منذ ولادة الطفل فكان اللون الأزرق الفاتح للولد واللون الوردي الفاتح للبنت في بعض التفسيرات تذهب إلى البُعد الموجي للون وتأثيره على عين المولود، وكذلك أصبحت ثقافة وعادات تروج لها الشركات المتخصصة لذلك تمامًا مثل بدلة العرس البيضاء، التي بدأت ووضعت لبنتها الأولى الملكة فكتوريا في القرن الثامن عشر؛ لتصبح كذلك عادة وثقافة عالميَّة تستغلها الشركات في التسويق التجاري والإعلامي. وبدأ المجتمع يتبنَّى هذه الأفكار لتصبح أحد أهم أجندة الإتيكيت الاجتماعي.

إن فلسفة اختيار الألوان يعكس شخصيَّة الإنسان وثقافته؛ فليس من المعقول أن نرتدي اللون الأحمر صباحًا أو الألوان الشعاعيَّة ذات البُعد الموجي العالي التي تؤثر على سلوكيَّات الإنسان وتصرفاته، حيث تعمل الألوان كإشارات بصريَّة تغذِّي الروح وتؤثر في التفكير والمشاعر. الألوان ليست مجرد زينة، بل لغة تعبر عن الثقافة والذوق حيث يمنح الأزرق والأخضر الهدوء، بينما يثير الأحمر العاطفة. الألوان كالألحان تسمو بالروح، وتغذي الأعصاب، وتريح الإحساس، وللألوان دور كبير في الطب، وفي الفن، والفلسفة، والتجارة والاقتصاد، والشركات الكبرى، حتى مبيعات السيَّارات تعتمد كثيرًا على فلسفة اختيار الألوان استنادًا إلى ثقافة وعادات البلد. ويُعَد تأثيرها على العقل والنفس من العوامل المهمة في حياتنا الرسميَّة والاجتماعيَّة. ومن الألوان ما يحقق للنفس الهدوء والراحة، فزرقة السماء والبحر، وخضرة الأعشاب والنباتات والأشجار توحي بالراحة والهدوء، وهي الألوان الإلهيَّة النهاريَّة لجميع المناسبات الرسميَّة والشخصيَّة.

أوضحت الدراسات بأن للألوان تأثيرًا كبيرًا على حياتنا، حيث إنها تؤثر بشكل كبير على نفسيَّتنا وطريقة شعورنا.. وهناك بحوث أكاديميَّة رصينة حول معرفة كاريزما الشخص وميوله من خلال اختياره للألوان. وتذهب بعض المدارس الطبيَّة في استخدام الألوان كعلاج لبعض الحالات، فيُنصح الأشخاص المكتئبون مثلًا بالتركيز على ارتداء الألوان الفاتحة، وتجنب الغوامق؛ لما له من أثر كبير في تعديل المزاج. كما قاموا بالاعتماد عليها في عمليَّة تصميم المنازل؛ فهناك ألوان مخصصة يفضَّل استخدامها في غرف نوم الأطفال تختلف كليًّا عن ألوان بقيَّة غرف المنزل وكل حسبه ميوله، وهناك ألوان مناسبة للمدارس ومكاتب العمل كالأزرق؛ لأنها تشجع على التفكير الخلاق والإبداع، وغيرها من الألوان الأخرى، كما تم الاعتماد عليها في الإعلانات التلفزيونيَّة لجذب انتباه المشاهد، فمن الأمثلة على ذلك أن أصحاب المنتجات يستخدمون اللون البنفسجي للترويج لبضائعهم الجديدة لأنه يدل على التغيير والغرابة والتميز.

وقد ارتبطت الألوان بتأثيرها على الطاقة الإيجابيَّة والسلبيَّة للأشخاص؛ فالأطباء في غرفة العمليَّات يرتدون اللون الأخضر أو الأزرق الفاتح، وألوان ملابس وزي الجنود والعسكر أيضًا يختلف من صنف إلى آخر؛ فالبحريَّة غير صنف الضفادع أو المشاة أو الجويَّة أو الدرع وغيرها.

وعندما تطورت المدرسة الإنجليزيَّة في بداية القرن التاسع عشر استندوا كثيرًا إلى الإعجاز الإلهي، حيث بدأوا بدراسة القرآن الكريم ككتاب علمي وأحصوا عدد الألوان فيه. لقد أعطانا الله سبحانه وتعالى إعجازًا إلهيًّا حول الألوان النموذجيَّة (النهاريَّة، الليليَّة)، وهذا دائمًا ما أذكره في جميع محاضرات الأكاديميَّة الدوليَّة للدبلوماسيَّة والإتيكيت، حيث منذ بزوع الفجر وبداية شقشقة أضواء وألوان الشمس نلاحظ ثلاثة ألوان فقط وهي (الأزرق الفاتح «لون السماء»، البيج «لون الأرض»، الأخضر «لون الأشجار») وبمختلف الدرجات من الألوان. وكان بإمكان الله سبحانه وتعالى خلق شجرة سوداء أو شجرة حمراء وغيرها من الألوان، ولكن الله سبحانه وتعالى خلق هذه الألوان ليس عبثًا، وإنما جاء فيه حكمة ودلالة، حيث استشفت المدرسة البريطانيَّة الطبيَّة بأن هذه الألوان النهاريَّة لا تشكل ثقلًا على البُعد الموجي للعين أو وظائف المخ، وإنما هذه الألوان تبعث الهدوء والتأمل والاسترخاء؛ لذلك ترى الناس يذهبون إلى البحر لغرض الراحة، وهو ما تفعل العين وتبعث إشعارات إلى المخ ليشكلوا ثنائيًّا راقيًا لبثِّ الطاقة الإيجابيَّة للشخص. ليلًا فقد خلق الله سماءً ذات لون أسود ونجوم باللون الفضي ليزين كآبة هذا اللون، مع العلم أن اللون الأسود ذُكر مرة واحدة بالقرآن الكريم ليدلل على الكآبة والحزن قال تعالى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ(. سورة النحل، الآية (58).


د. سعدون بن حسين الحمداني

دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت

المصدر: https://islamonline