الأربعاء 06 مايو 2026 م - 18 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : لماذا يجب أن يتصدر البعد النفسي خريطة التنمية الوطنية؟

في العمق : لماذا يجب أن يتصدر البعد النفسي خريطة التنمية الوطنية؟
الثلاثاء - 05 مايو 2026 10:59 ص

د.رجب بن علي العويسي

310

تفرض تداعيات التطورات الإقليميَّة والتحولات الاقتصاديَّة الراهنة، وما يصاحبها من غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، الكثير من الضغوطات النفسيَّة والفكريَّة على الأسر، خصوصًا مع تزايد الالتزامات الماليَّة وتنامي احتياجات الحياة اليوميَّة. ويواكب ذلك ارتفاع أعداد الباحثين عن عمل والمُسرَّحين من القطاع الخاص، واتساع شريحة الأسر المعسرة ومحدودة الدخل، الأمر الذي انعكس في زيادة الطلب على خدمات الفرق الخيريَّة ولجان الزكاة لتوفير الدعم الغذائي والاستهلاكي. كما أسهمت رسوم الخدمات الأساسيَّة، وفواتير الكهرباء والمياه والاتصالات، في تعميق هذه الضغوط ورفع مستوى الاحتياج الأسري.

وفي الوقت نفسه، تبرز ظاهرة ارتفاع القروض الشخصيَّة كأحد أبرز مظاهر هذا العبء الذي يواجهه المواطن؛ إذ تشير بيانات البنك المركزي إلى أنها بلغت بنهاية شهر أكتوبر 2025 نحو (34) مليارًا و(733) مليون ريال عُماني، مرتفعةً بنسبة (9) بالمائة مقارنةً بـ(31) مليارًا و(875) مليون ريال عُماني خلال الفترة نفسها من عام 2024، ولم تَعُدْ هذه القروض مجرد التزامات ماليَّة، بل تحولت إلى مصدر لضغوط نفسيَّة واجتماعيَّة متراكمة، تؤثر في استقرار الفرد وقدرته على مواصلة حياته بثقة واطمئنان. ويظهر ذلك في تزايد مستويات القلق والتوتر، وانتشار مشاعر الإحباط واليأس، وردود الأفعال السلبيَّة، خصوصًا عبر منصات التواصل الاجتماعي.

ولعل ما يؤكد ذلك المؤشرات الصحيَّة؛ حيث ارتفع عدد مراجعي العيادات النفسيَّة في وزارة الصحة، حيث بلغ إجمالي الزيارات في مؤسسات وزارة الصحة عام 2023 إلى نحو (104,475) زيارة، شكلت الفئة العمريَّة (19–59 سنة) نسبة (53.2%) منها. وهو ما يعكس اتساع دائرة التأثيرات النفسيَّة للضغوط الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، ويؤكد الحاجة إلى التعامل مع هذه القضيَّة وفق أُطر واضحة واستراتيجيَّات أداء محكمة وأدوات مقننة وعمق في قراءة الواقع الاجتماعي والاقتصادي؛ باعتبارها محطات أساسيَّة في فهم تأثير هذه الأبعاد وتداعياتها على حياة الأسر.

وبالتالي، تفرض هذه المعطيات مرحلة جديدة في العمل التنموي، يكون فيها البُعد النفسي أحد المرتكزات الأساسيَّة في صياغة السياسات الوطنيَّة والخطط الخمسيَّة وتقييم الأداء الفردي. ذلك أن مفهوم التوازنات في المسار التنموي لم يَعُدْ مقتصرًا على المؤشرات الاقتصاديَّة فحسب، بل أصبحت ترتبط بمدى قدرة الإنسان على التكيف مع الواقع وإدارة المشاعر، ورفع سقف الضبط النفسي في مواجهة تفاقم المتطلبات، وإدارة الضغوط، والحفاظ على توازنه النفسي والفكري. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مسار وطني متكامل يعزز الصحة النفسيَّة في بيئات العمل وبيئة الأسرة والحوار الاجتماعي، ويربطها بمسارات التنمية المستدامة وصناعة الأثر، ويقدم حزمة من الدعم الثابت والمنتج للمواطن والتسهيلات النوعيَّة التي ترفع من سقف التفاؤل والإيجابيَّة والأمان النفسي لديه.

إن القدرة على تجسيد مفهوم أعمق للبُعد النفسي وإدارة المشاعر في بنية السياسات والتشريعات، وتعظيم أثرها في حياة المواطن والأسر، بما يحافظ على درجة الشعور الجمعي والولاء المجتمعي والانتماء الفكري والروحي للمواطن، يؤسس لمرحلة متقدمة من العمل الوطني القائم على الآتي:

1. تطوير الخطاب المؤسسي والإعلامي ليكون أكثر قربًا من المواطن، وأكثر قدرة على بناء الثقة وتبديد الغموض. فوضوح الرسائل، وسرعة الاستجابة للتساؤلات، وتهيئة المجتمع للتغيرات، عوامل جوهريَّة تسهم في تعزيز الاستقرار النفسي، وتحد من حالة التأويلات والتكهنات والقلق والمخاوف المرتبطة بالمستقبل. كما أن إشراك المواطن في الحوار حول السياسات والبرامج، وشراكة الفعل والمسؤوليَّة والقرار والرأي الآخر وتعظيم أثره، يعزز من شعوره بالمسؤوليَّة والانتماء، ويقلل من حالة الرفض أو مقاومة التغيير.

2. تعظيم الثقة في الأداء الحكومي من خلال توظيف التفاعلات المجتمعيَّة عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ باعتبارها تحمل في مدخلاتها وعمليَّاتها مؤشرات مهمة وتعكس تفاصيل دقيقة قد تكون غير مفهومة حول الحالة النفسيَّة العامة. فهذه التفاعلات تعكس مستوى القلق أو الرضا، وتوفر فرصة لفهم أعمق لاحتياجات المجتمع وتوقعاته. كما أن التعامل الإيجابي مع هذه الآراء يسهم في الحدِّ من الشائعات، ويعزز من مصداقيَّة المؤسسات. وهنا تأتي قيمة الطلة الإعلاميَّة المتزنة للمسؤول الحكومي في إيصال توجهات الحكومة وحضور المواطن في أولويَّات الدعم والتحفيز وصناعة الأثر.

3. إدماج البُعد النفسي في بيئة العمل وتعظيم الصحة النفسيَّة في القرار وتأطيرها في قانون العمل وقانون الوظيفة العامة، ورفع سقف المشاركة الجمعيَّة المسؤولة، أحد المرتكزات الأساسيَّة في هذا التوجه؛ إذ إن توفير بيئة عمل داعمة نفسيًّا يسهم في رفع الإنتاجيَّة، وتعزيز الولاء المؤسسي، وتقليل معدلات القلق والضجر والإجهاد الوظيفي. ويتطلب ذلك تطوير سياسات الموارد البشريَّة بما يراعي التوازن بين متطلبات العمل واحتياجات الموظف، إلى جانب إدراج برامج للصحة النفسيَّة ضمن أنظمة التدريب والتقييم. وهو أمر يضع دوائر الموارد البشريَّة أمام مسؤوليَّة استحضار البُعد النفسي في عملها، مع ما يتطلبه ذلك من التأطير والفهم العميق والقراءة الاستراتيجيَّة، وصناعة الفرص وإنتاج الحلول، والإدارة الذكيَّة للمورد البشري التي تجمع بين الذكاء الإداري والوجداني والعاطفي في امتصاص الصدمات والحدِّ من مسببات القلق، لتصبح إدارة المشاعر والصحة النفسيَّة وبناء القدرات وتعظيم الأثر والاحتواء والعدالة خيار قوة في عمل هذه الدوائر، وليس خيارًا قائمًا على الذاتيَّة والمزاجيَّة والوقتيَّة.

4. تعزيز كفاءة التحول المؤسسي والانتقال من تقديم الخدمة إلى بناء المواطنة، وتأكيد البُعد الإنساني في تقديم الخدمات؛ باعتباره عاملًا مهمًّا في تحقيق الاستقرار النفسي للمواطن. فطريقة التعامل، ومرونة الإجراءات، ومراعاة الظروف الفرديَّة، كلها عناصر تسهم في بناء علاقة إيجابيَّة بين المواطن والمؤسسات. فلم يَعُدْ دور المؤسسات محصورًا في تقديم الخدمات من واقع اختصاصاتها ومهام عملها، بل يتجاوز ذلك إلى أدوار أكثر عمقًا واحترافيَّة في تشكيل وعي المواطن، وتأصيل هويَّته الوطنيَّة، وترسيخ انتمائه، وبناء شخصيَّته وثقافته الوطنيَّة، وتعزيز ثقافة المواطنة الإيجابيَّة كونها ركيزة أساسيَّة من ركائز التنمية المستدامة، وتجسيد حس المواطنة لديه. لذلك لم تَعُدِ المؤسسات مجرد كيان تنظيمي يقدم خدمة، وإنما أصبحت فضاءً وطنيًّا يتشكل فيه سلوك المواطن، وتتبلور من خلاله قناعاته واتجاهاته نحو وطنه وقيادته ومستقبله، فيسخر قدراته من أجل وطنه ويعزز مهاراته بما يضمن فاعليَّتها على إحداث التحول في مسارات الإنتاج وتحقيق الأهداف والغايات الوطنيَّة، وتوجيهها لبناء المواطنة الوظيفيَّة التي تنقل الموظف من كونه صاحب وظيفة يؤدي خلالها مهمة محددة له سلفًا، إلى كونه صاحب رسالة يعمل على نقل التغيير في ممارساته الوظيفيَّة وترقيتها وتأديتها بشكل أكثر كفاءة ومهنيَّة وإخلاص. وعلى سبيل المثال، فإن توفير خيارات مرنة لسداد الفواتير، أو تجنب الإجراءات المفاجئة التي تزيد من الضغوط، يمكن أن يحدث فرقًا ملموسًا في شعور المواطن بالأمان والاحتواء.

5. تَبنِّي مبادرات توعويَّة وتثقيفيَّة تستهدف بناء وعي مجتمعي في مجالات إدارة المشاعر، والتعامل مع الضغوط، وإدارة الحشود، وامتصاص ردَّات الفعل حول بعض القرارات والتوجهات الوطنيَّة ذات العلاقة بالظروف المعيشيَّة للمواطن، وتعزيز ثقافة الحوار الاجتماعي والمؤسسي والأسري، والتكيف مع التغيرات الحاصلة في إطار من المهنيَّة والاحتواء لشخصيَّة المواطن. كما ينبغي أن تسهم هذه البرامج في تمكين المواطن من فهم التوجهات الوطنيَّة والاستفادة منها، بما يعزز من حالة السلام الداخلي والاجتماعي، ويدعم روح التعاون والتكامل بين المؤسسات والمجتمع.

6. أن تأخذ آليَّات معالجة قضايا التوظيف والتشغيل والباحثين عن عمل والمُسرَّحين في الاعتبار الأبعاد النفسيَّة المرتبطة بالأمان الوظيفي ومنظومة الحماية الاجتماعيَّة. فالتوظيف المؤقت أو غير المستقر، وما يصاحبه من تسريح مفاجئ، يترك آثارًا نفسيَّة عميقة تؤثر في استقرار الفرد وثقته بالمستقبل. ومن هنا، فإن حالة التنمر الفكري وسرعة الردود والأحكام عبر المنصات الاجتماعيَّة، بما تحمله من عدم أريحيَّة وتسرع وأحكام مسبقة، أو حالة السلبيَّة وعدم الرضا التي باتت تترسخ في ذهن الكثير من أبناء المجتمع، إنما هي نتاج لهذا الفراغ النفسي الذي بات يشكِّل تحديًا في حياة الفرد والمجتمع. لذلك نؤكد على أهميَّة أن يؤسس نظام الحماية الاجتماعيَّة إلى بناء نظام يقوم على الحوافز وكذلك إدارة المشاعر والصحة النفسيَّة؛ إذ أصبح وجود هذين المرتكزين خيارًا استراتيجيًّا في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، وتبني سياسات تشغيل مستدامة تعزز من الشعور بالأمان، وتدعم الاستقرار الاجتماعي.

أخيرًا، يبقى إدماج الصحة النفسيَّة وإدارة المشاعر في السياسات والتشريعات والبرامج التنمويَّة ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة. ويتطلب ذلك بناء إطار وطني متكامل يشارك فيه مختلف الفاعلين والمؤثرين، ويستند إلى دراسات علميَّة دقيقة وقواعد بيانات شاملة تتيح فهمًا أعمق للتحديات النفسيَّة التي يواجهها المجتمع. كما يستدعي الأمر مراجعة التشريعات والإجراءات بما يضمن مراعاة الأثر النفسي في تصميم السياسات، وتعزيز دور البحث العلمي في دراسة الظواهر النفسيَّة المرتبطة بالتحولات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة. فالفهم الدقيق لهذه الظواهر يمثِّل المدخل الأساسي لصياغة حلول فعَّالة ومستدامة. فهل سيحظى البُعد النفسي وإدارة المشاعر بالمكانة التي يستحقها في خريطة التنمية الوطنيَّة؟ إن الإجابة على هذا التساؤل ستحدد إلى حد كبير قدرة المجتمع على تجاوز المنغصات النفسيَّة، وبناء مستقبل أكثر توازنًا واستقرارًا، يكون فيه الإنسان ركيزة التنمية وهدفها الأسمى.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]