الجمعة 22 مايو 2026 م - 5 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

بين البداية والاستمرار

بين البداية والاستمرار
الثلاثاء - 05 مايو 2026 10:54 ص

إبراهيم بدوي

10

تحدثنا في المقال السابق عن دخول سلطنة عُمان مرحلة جديدة وغير تقليديَّة على الصعيد الاقتصادي، وضربنا مثالًا بمجمع تجميع السيارات في خزائن. وإذا صح هذا التصور فإننا أمام مرحلة تأسيس حقيقيَّة، مرحلة تتجاوز القياس بحجم المشاريع، لتأسيس بما تقوم عليه من مقومات وثوابت وقواعد قادرة على الاستمرار، فالمشاريع المعرفيَّة ذات الطابع التقني مثل صناعة البولي سيليكون وغيرها تمثل توجهًا نحو بناء اقتصاد يقوم على المعرفة والإنتاج المتقدم، وأنا أؤمن بفكرة السلم الحضاري حيث تتطور المجتمعات عبر البناء على ما سبق وتراكم الخبرات وتوسيع القاعدة المعرفيَّة. فالتقدم ينمو من فهم ما تم إنجازه وتطويره، لتصبح المرحلة الحاليَّة اختبارًا لقدرتنا على تحويل المشاريع إلى قاعدة ينطلق منها مسار صناعي أوسع، مسار يتكامل فيه الإنتاج مع المعرفة ويتحول فيه التعلم إلى قيمة اقتصاديَّة مستمرة ويضع الأساس لاقتصاد قادر على المنافسة داخل بيئة عالميَّة شديدة التعقيد. وقبل السعي الحثيث إلى جذب المعرفة والاستثمارات لا بد أن نؤكد على أهميَّة عدم اختراع العجلة، والانطلاق مما انتهى إليه الآخرون؛ فاختصار الطريق يصبح ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، في حين أن الوقت لا يعمل لصالح الأفكار التي تبدأ من نقطة الصفر، والمنافسة العالميَّة لا تنتظر من يكرر التجربة من بدايتها، ومن زاوية موضوعيَّة فإن الجهود المبذولة تعكس وعيًا متقدمًا لدى صانع القرار الاقتصادي في السلطنة بهذه الحقيقة، وتظهر في توجهات واضحة تسعى إلى الاستفادة من التجارب الدوليَّة وتجنب أخطاء السابقين في عدد من القطاعات الحيويَّة، وهو ما يمنح هذا المسار قدرًا أعلى من الواقعيَّة والقدرة على الاستمرار.

حين اخترت مشروع السيَّارات كنموذج فاجأني لم يكن القصد التوقف عند المشروع في حد ذاته، وإنما إبراز دلالته، فالمشروع يظل حدثًا مهمًّا بلغ حجمه، والصناعة الحقيقيَّة تتشكل من منظومة أوسع تقوم على الترابط بين الموردين والخدمات واللوجستيَّات وسلاسل الإمداد، هذه الشبكة تمنح أي قطاع عمقه واستمراريَّته وقدرته على خلق قيمة مضافة تتجاوز حدود المصنع نفسه. ومن هنا يطرح السؤال نفسه بوضوح: هل نرى أمامنا بداية منظومة متكاملة تتشكل تدريجيًّا؟ أم ما زلنا في إطار مشروع منفرد ينتظر ما يلتف حوله؟ فالفارق بين الاثنين هو الفارق بين حضور مؤقت وتأثير ممتد وتجربة يمكن تكرارها وقدرة على البناء والتوسع، والمشكلة دائمًا في التفاصيل وفي الخطوات الصغيرة، لقد اتخذ صانع القرار الاقتصادي الطريق الأصعب، ويبقى أن يترجم التنفيذيون تلك الرؤية إلى منظومة متكاملة تتحرك بدقة وتبنى بتدرج، حيث تصنع التفاصيل الفارق الحقيقي بين فكرة تُعلن وواقع يُنجز، وبين مشروع يبدأ وواقع اقتصادي يتشكل ويترسخ، ويصنع الفارق للأجيال القادمة.

إن الانتقال بفكرة التأسيس من مستوى المشروع إلى مستوى المعرفة يفرض زاوية مختلفة في القراءة، حيث تمتد القيمة إلى بناء الخبرة وتراكم القدرة على الفهم والتطوير، فالصناعة القائمة على التقنيَّة تخلق بيئة تتجاوز التشغيل إلى التعلم وتتجاوز التنفيذ إلى الاستيعاب، وهذا التحول يفتح الباب أمام إعادة تعريف دور الإنسان داخل المنظومة الاقتصاديَّة، وهو الدور الذي أراد حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ، تحويله من عنصر منفذ إلى عنصر قادر على الإضافة، ومن متلقٍّ للتقنيَّة إلى شريك في توظيفها، وتتضح أهميَّة الربط بين التعليم وسوق العمل وبين التدريب واحتياجات الصناعة، وهو ما تعبر عنه بوضوح رؤية «عُمان ٢٠٤٠»، لتصبح المعرفة جزءًا من بنية الاقتصاد، وفي هذه النقطة يظهر الفارق بين اقتصاد يستهلك ما ينتجه الآخرون واقتصاد يبني قدرته على إنتاج ما يفهمه ويطوره، فتتحول المعرفة إلى أصل حقيقي يقود النمو، ويعزز القدرة على المنافسة، وتنعكس هذه الرؤية على جودة المخرجات التعليميَّة وعلى قدرة المؤسسات على الابتكار والتطوير، كما تفتح المجال أمام خلق فرص نوعيَّة ترتبط بالمهارة والمعرفة وتدعم استدامة النمو الاقتصادي.

أكتب هذه السطور وأنا أراجع ما بدأناه وما نراه يتشكل أمامنا، وأجد نفسي أميل إلى تبسيط الفكرة بدل تضخيمها، فالقضيَّة لا تحتاج إلى احتفال بالبدايات بقدر ما تحتاج إلى إصرار على ما يليها، الاستمراريَّة أهم من البداية، هذه حقيقة أؤمن بها وأراها المعيار الوحيد لأي حديث عن التحول، وتراكم المشاريع هو المؤشر الحقيقي الذي يمكن أن نقرأ من خلاله اتجاه الاقتصاد، مشروع يتبعه مشروع، وتجربة تفتح الباب لأخرى، وخبرة تبنى فوق خبرة، بهذه الطريقة فقط تتكون القاعدة التي يمكن الاعتماد عليها، أما اللحظة التي أنتظرها وأراها الاختبار الفعلي فهي تلك التي يتحول فيها الاتجاه إلى واقع ثابت يمكن البناء عليه دون تردد، عندها يتغير إدراكنا لما يحدث، ويتحول ما نراه من أخبار متفرقة إلى صورة مكتملة لها ملامح واضحة، صورة لا تحتاج إلى من يفسرها، هي التي تفسر نفسها عبر النظر إلى من يستفيد منها ويكمل ما بدأ فيها.

إبراهيم بدوي

[email protected]