كلما مرَّ الوقت أكتشف أن هناك شيئًا ما يحدث في الاقتصاد الوطني العُماني، شيئًا جيدًا لدرجة أن عقلي لا يتصوره بشكل كامل. ورغم ذلك، فهو شعور يتكرر ويزداد وضوحًا مع كل رقم جديد وكل تقرير يصدر من مؤسسات محليَّة وعالميَّة، وكل مؤشر يتحرك في اتجاه مختلف عما اعتدناه لسنوات طويلة. فالصورة تتشكل بهدوء لاقتصاد يعيد تعريف نفسه بعيدًا عن القوالب التقليديَّة التي ترسخت في أذهاننا، حديث التنويع والاستدامة تخطى مرحلة العناوين التي تتكرر في الخطط والبرامج، وتحول ليكون واقعًا يتسرب إلى تفاصيل المشهد العام، إلى لغة الأرقام، إلى طبيعة المشروعات التي تتبناها الدولة بالشراكة مع القطاع الخاص، وهو ما انعكس على نوعيَّة الاستثمارات التي تدخل السوق. هذا التراكم يصنع حالة من الوعي التدريجي بأننا أمام مسار يتغير بالفعل، مسار يوسع قاعدة الإنتاج ويعيد توزيع مصادر الدخل ويمنح الاقتصاد قدرة أكبر على الحركة. ومع كل ذلك أجد أن الإدراك الذاتي يحتاج وقتًا أطول لاستيعاب ما يحدث، فالصورة تتشكل بسرعة بينما الفهم يتقدم على مهل. وبين هذا وذاك تتكون قناعة بأن ما يجري أكثر من تحسن اقتصادي تقليدي، فهو تحول حقيقي يعيد رسم ملامح المرحلة القادمة ويضعنا أمام واقع مختلف تمامًا عما اعتدنا عليه.
صحيح أنني قد استوعبت هذا التحول في حدود معينة، خصوصًا في قطاعات مألوفة مثل السياحة والطاقة والمناطق الاقتصاديَّة، واعتبرته تطورًا منطقيًّا يتماشى مع توجهات الدولة نحو التنويع. هناك أخبار تجبرك على التوقف عندها، مثل خبر إنشاء مركز متطور لتجميع وإنتاج السيارات داخل سلطنة عُمان في مدينة خزائن الاقتصاديَّة بالشراكة مع مجموعة «سبروس» الصينيَّة، فهو حدث استثنائي وضعني أمام زاوية مختلفة تمامًا، زاوية تتجاوز فكرة التنوع إلى الدخول في صناعات معقدة ترتبط بالتكنولوجيا وسلاسل الإمداد العالميَّة، حيث يعتمد المشروع على أنظمة الذكاء الاصطناعي والروبوتات في خطوط الإنتاج، ويتجه نحو تصنيع سيارات كهربائيَّة وهجينة تستهدف أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا، بطاقة إنتاجيَّة تتراوح بين (2899) و(3218) مركبة سنويًّا، مع توجه لبناء منظومة صناعيَّة مغذية تشمل إنتاج مكونات وقطع الغيار، إلى جانب برامج تدريب مقرونة بالتوظيف لبناء الكفاءات الوطنيَّة.. هذه المعطيات تضعنا أمام صناعة لم يعرفها الاقتصاد العُماني بهذا الشكل من قبل، صناعة تعتمد على التقنيَّة والمعرفة بقدر اعتمادها على الموقع والإمكانات. هنا تحديدًا تغيرت طريقة القراءة، فالأمر تجاوز فكرة إضافة قطاع جديد، إنه قفزة في طبيعة الاقتصاد نفسه، قفزة تفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول حدود ما يمكن الوصول إليه خلال المرحلة القادمة، وحول قدرة هذا المسار على الاستمرار والتوسع بنفس الوتيرة، خصوصًا أن هذا القطاع الحيوي الذي يستند إلى الموقع الجغرافي المتفرد قد يمثل نقطة انطلاق لسلسلة من الصناعات المرتبطة بقطاع السيارات، بما يعيد رسم موقع عُمان داخل خريطة الإنتاج الإقليمي والدولي.
أرجو معذرتي على انبهاري بهذا الحدث الذي أراه استثنائيًّا، فأنا أنتمي إلى جيل عاش في الخليج على فكرة شبه مستقرة، كل ما نستخدمه يأتي من الخارج، السيارة التي نقودها كانت دائمًا منتجًا مستوردًا يحمل اسم دولة أخرى، لدرجة أنني كنا ندور في عدد محدود من العلامات والطرازات (الماركات) التي تناسب طبيعة الخليج، ولم يكن هناك تساؤل حقيقي حول إمكانيَّة أن يكون هذا المنتج جزءًا من صناعتنا المحليَّة. هذه الخلفيَّة تجعل من الخبر أكثر من مجرد إعلان استثماري، تجعله لحظة مواجهة بين ما اعتدناه وما يتشكل الآن، لحظة تعيد تتخطى الحدث ذاته، لأنه يؤثر على ما يسمى بالهويَّة الإنتاجيَّة. أرى أن تلك التجربة تشكل بداية تحول في طريقة التفكير ذاته والبنية المستقبليَّة للاقتصاد، ويبقى التحدي الأكبر في انتقال تلك الفكرة من نطاق المشروع إلى نطاق الثقافة العامة، بحيث يصبح الإنتاج جزءًا من وعينا اليومي وليس استثناءً نراقبه من بعيد.
إن التحدي الأكبر يرتبط بنقطة أكثر عمقًا حول طبيعة ما يحدث على الأرض، فالفارق بين تجميع السيَّارات وبناء صناعة متكاملة فارق كبير في القيمة والتأثير؛ لذا فالحديث عن خطوط إنتاج لا يكتمل دون الحديث عن الصناعات المغذية ونقل المعرفة وبناء الكفاءات القادرة على تشغيل وتطوير هذا القطاع. وهنا تظهر أهميَّة ما بعد المشروع، حيث تتحول القيمة الحقيقيَّة إلى ما يتم بناؤه حوله من منظومة صناعيَّة تمتد وتتشابك وتخلق فرصًا مستدامة. كما أن فكرة نجاحه، وفق تفكيري غير المتخصص، لا ترتبط بالإنتاج وتغذية السوق المحليَّة وحدهما، لكن بقدرته على التصدير وصناعة سمعة تجذب مزيدًا من الفاعلين في هذه الصناعة الحيويَّة، فهذه المرحلة هي التي تحدد ما إذا كان ما نشهده بداية حقيقيَّة لمسار صناعي طويل، أو خطوة تحتاج إلى استكمال حتى تترسخ وتتحول إلى واقع مستقر داخل بنية الاقتصاد الوطني؟
إبراهيم بدوي