الثلاثاء 05 مايو 2026 م - 17 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

الصحة النفسية للكوادر الطبية وتحدياتها الخفية!

الصحة النفسية للكوادر الطبية وتحدياتها الخفية!
الاثنين - 04 مايو 2026 10:57 ص

د. يوسف بن علي الملَّا

30

نلاحظ جميعنا أنه أصبحت الصحة النفسيَّة للعاملين في مجال الرعاية الصحيَّة مصدر قلق بالغ في الأنظمة الطبيَّة الحديثة. بطبيعة الحال هؤلاء الأفراد تلقوا التعليم والتدريب على تشخيص المرضى وعلاجهم، مع ذلك العديد من العاملين في القطاع الصحي يتعرضون لضغوط نفسيَّة شديدة تزيد من خطر إصابتهم بالاكتئاب والإرهاق، بل وحتى السلوك الانتحاري. بل إن هنالك دراسات أكدت أن طبيعة العمل في مجال الرعاية الصحيَّة والتي تتسم بساعات عمل طويلة، وإجهاد عاطفي، وتعرض متكرر للمعاناة أحيانًا تخلق ظروفًا قد تضعف قدرتهم على التحمل النفسي مع مرور الوقت.

وهكذا أيضًا خرجت دراسات استقصائيَّة وبينت أن ما بين ربع وثلث العاملين الصحيين يظهرون أعراضًا لمرض نفسي خلال مسيرتهم المهنيَّة. وبالمثل، وجد تقرير حديث صادر عن منظمة الصحة العالميَّة أن حوالي ثلث الأطباء والممرضين يعانون من الاكتئاب، بينما يبلغ واحد من كل عشرة عن أفكار انتحاريَّة سلبيَّة. حقيقة ـ وللأسف ـ هذه الأرقام تشير إلى أن تحديات الصحة النفسيَّة بين العاملين في مجال الرعاية الصحيَّة منتشرة ومستمرة.

وأيضًا هنا من المهم الإشارة إلى أن الإرهاق المهني لا يحدث بمعزل عن غيره، بل يرتبط ارتباطًا حقيقيًّا بالاكتئاب والقلق والأفكار الانتحاريَّة. وقد وجدت مراجعة شاملة للصحة النفسيَّة للعاملين في مجال الرعاية الصحيَّة أن الإرهاق المهني يرتبط باستمرار بزيادة معدلات الانتحار، مدفوعة بعوامل مثل الإجهاد المزمن، وضغط العمل، وقلة وقت الراحة.

لذلك من الجيد أن نعي بأنه وعلى الرغم من ارتفاع مستويات الضغط النفسي يتردد الأطباء وغيرهم من المهنيين في طلب الدعم النفسي بسبب الوصمة الاجتماعيَّة والخوف من التداعيات المهنيَّة، والمخاوف المتعلقة بالسريَّة. هذه المفارقة حيث يتردد من تلقوا تدريبًا على رعاية الآخرين في طلب الرعاية لأنفسهم تفاقم خطر الاكتئاب غير المعالج والسلوك الانتحاري.

وهنا أؤكد ومن خلال دراسات متعددة أن الأفكار الانتحاريَّة بين العاملين في مجال الرعاية الصحيَّة ليست مجرد ظاهرة نظريَّة، بل يمكن قياسها في الدراسات السريريَّة. فقد أفادت دراسة أذكر أنها أجريت خلال جائحة «كوفيد-١٩»، بأنه تقريبًا ثمانية في المائة من العاملين في مجال الرعاية الصحيَّة عانوا من أفكار أو سلوكيَّات انتحاريَّة خلال فترة ثلاثين يومًا مع وجود حالات موثقة لمحاولات انتحار بين المشاركين. وبالتالي هذا دليل يؤكد أن الأزمات النفسيَّة قد تتطور بسرعة تحت ضغط العمل المستمر!

طبعًا هنا تزيد الفروقات بين الجنسين من تعقيد الصورة، خصوصًا وأن العاملات في مجال الرعاية الصحيَّة، ولا سيما الطبيبات والممرضات، أكثر عرضة لخطر الانتحار مقارنة بعامة العاملين وزملائهن من الرجال. وقد تشمل العوامل المساهمة التمييز في مكان العمل والصراع بين العمل والأسرة، والتفاوت في التعرض للجهد العاطفي. لذلك أجد أنه من أهميَّة الموضوع بمكان إحداث تدخلات مصممة خصيصًا لتراعي التجارب المتنوعة داخل القوى العاملة في مجال الرعاية الصحيَّة.

ختامًا، يمثِّل عبء الصحة النفسيَّة بين العاملين في مجال الرعاية الصحيَّة مشكلة معقدة. لا يقتصر التصدي لها على التدخلات الفرديَّة فحسب، بل يتطلب أيضًا إصلاحات هيكليَّة تهدف إلى تخفيف عبء العمل، وتحسين ثقافة مكان العمل، وتطبيع الرعاية الصحيَّة النفسيَّة ضمن المهنة. وبدون هذه الجهود، أرى أن النظام المصمم لحماية الأرواح نفسه سيهدد باستمرار سلامة من يدعمونه.

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]