حاوره ـ وحيد تاجا:
يُعد الفنان العماني حسن مير من رواد التجريب في المشهد التشكيلي، حيث تمكن من دمج ذاكرة الطفولة في أزقة (مطرح) وأساطيرها الشعبية بلغة (فن الميديا) والمعاصرة، من تأسيس (جماعة الدائرة) إلى بلوغ بينالي البندقية، يواصل المير رحلته في البحث عن (الروح) والجوهر الإنساني خلف الوجوه والرموز ، محولاً العمل الفني من مجرد لوحة إلى تجربة حسية تستنطق الغائب وتُسائل الوجود.
بين ذكريات (مطرح) وقصص الجدات، وبين دراسة (فن الميديا) في أميركا، كيف استطعت تحويل تلك الروح الفطرية والروائح الحسية لأزقة طفولتك إلى لغة رقمية معاصرة دون أن تفقد الروح الأصيلة للمكان؟
تمثلت تجربتي في صهر ذاكرة (مطرح) الفطرية داخل قوالب (فن الميديا) المعاصرة عبر تحويل الفن من مجرد مشاهدة بصرية إلى تجربة حسية متكاملة تشرك المتلقي وجدانيًا. لقد منحتني دراستي في أميركا الأدوات التقنية لدمج الوسائط الرقمية، كالصوت والصورة المتحركة، مع العناصر المادية والوثائق التي جمعتها خلال سنوات بحثي عن (البيت القديم)،ولم يكن هدفي استعادة الماضي بشكل توثيقي جامد، بل إعادة صياغة (طبقات المكان الخفية) وتحويلها إلى رموز فنية تنبض بالحياة، حيث يعمل الصوت كصدى للأزقة القديمة، وتعمل الصورة كشاهد على أثر الزمن. من خلال هذا المزيج، تحول العمل الفني إلى مساحة للتأمل في جدلية الحضور والغياب، ومساءلة التحولات التي طرأت على الهوية. لقد استطعتُ الحفاظ على أصالة الروح عبر جعل التكنولوجيا وسيطًا ينقل (رائحة المكان) وهيبته، محولاً الذكريات الشخصية والقصص الشعبية إلى لغة رقمية عالمية تلمس الذاكرة الجماعية، وتجعل من المشاهد جزءًا أصيلاً من حكاية المكان المستمرة.
في أعمالك مثل (آدم وحواء) ، نلمس روحاً إيمانية وأساطير عمانية قديمة، هل تجد أن الفن المعاصر هو الوسيلة الأنسب لشرح هذه (الغيبيات) واستعادة القداسة في عالم مادي؟
يعتبر الفن المعاصر بالنسبة لي الوسيلة الأنسب لتجسيد (الغيبيات) عبر تحويل الروح من حالة شفافة غير ملموسة إلى واقع بصري ملموس يتأرجح بين الحضور والغياب. ففي عملي (آدم وحواء)، لم أسعَ لتقديم إجابات مادية، بل استخدمتُ الفن كأداة لأرشفة تلك الومضة الإلهية المهيبة التي يستعصي إدراكها في الواقع، دامجاً بين السرديات الإيمانية والتأمل الشخصي. هكذا، يتحول العمل الفني إلى مساحة روحية تتيح للمتلقي استعادة قداسة اللحظة والاقتراب من الأبعاد الخفية للروح عبر بوابة الخيال والتعبير الحر.
تصر على صناعة (الكانفاس) وتحضير الأخشاب بنفسك، بل وتطلب ألواناً يدوية الصنع، لماذا هذه المشقة في زمن الحلول الجاهزة؟ وهل تشعر أن هذا (التطرف) في الجودة هو ما يمنح العمل الفني روحه؟
صناعة أدواتي يدوياً ليست مجرد (مشقة) أو بحثاً عن جودة تقنية، بل هي ممارسة أصيلة تمنحني علاقة حميمية مع العمل الفني تبدأ قبل وضع اللون على القماش. بالنسبة لي، فإن إعداد السطح واختيار الخامة وصناعة الأداة بنفسي هي البداية الحقيقية للعمل وجزء لا يتجزأ من روحه، فالحلول الجاهزة تكسر هذا الترابط الوجداني، بينما تضمن لي الأدوات المصنوعة يدوياً صدقاً في التعبير، ليصبح كل عنصر في اللوحة شاهداً على رحلة بدأت من الصفر، محولةً العملية الفنية إلى تجربة متكاملة تربط الفنان بمادته بعمق لا توفره الخامات التجارية.
تتراوح ألوانك بين الأصفر والبرتقالي الدافئ والرماديات الغامضة، ما هو اللون الذي يمثل سلطنة عمان في مخيلتك، وما هي الفلسفة التي تحكم اختيارك لطبقات اللون الكثيفة (Impasto) في أعمالك الأخيرة؟
ينبع اللون في أعمالي من حالة شفافة تستند إلى مخزون بصري عميق تراكم عبر سنوات من المعايشة، حيث تمثل ألوان الشمس والحرارة، كالأصفر والأحمر والبرتقالي، جوهر الهوية العمانية في مخيلتي، هذه الألوان ليست مجرد اختيار جمالي، بل هي انعكاس لسكينة البيئة الحارة التي تميل للألوان الفاتحة والبنية لامتصاص حدة الواقع، وهي في الوقت ذاته استحضار وجداني لروائح ولحظات الطفولة البعيدة التي تفيض بالحنين،أما فلسفة استخدامي للطبقات اللونية الكثيفة (Impasto)، فهي تعبير عن ممارسة فنية تراكمية تسعى لتجسيد (ثقل الزمن)، حيث أرى أن تكثيف اللون يمنح العمل الفني عُمقاً بصرياً وحضوراً حسياً ملموساً يتجاوز تسطح الواقع، كل طبقة لونية أضيفها تمثل تجربة أو ذكرى مضافة، لتتحول اللوحة في النهاية إلى كيان نابض يختزن بداخلة طبقات من الذاكرة والتاريخ الشخصي، مما يتيح للمتلقي لا أن يرى اللون فحسب، بل أن يشعر بكتلته ووجوده التاريخي داخل فضاء العمل.
صرحت بأن اللوحة ببعديها لم تعد تسعف الحكاية التي تسكنك، ما الذي وجدته في الفيديو آرت والفنون التركيبية ولم تجده في الكانفاس؟ وهل يعني هذا أنك ودّعت الرسم الكلاسيكي نهائياً؟
وجدت في (الفيديو آرت) والفنون التركيبية أفقاً رحباً يتجاوز محدودية السطح الثنائي الأبعاد، مما أتاح لي حرية الغوص في وسائط متعددة تخدم حكاياتي وتغذي مخيلتي بوسائل تعبيرية أكثر شمولاً، ومع ذلك، فإن هذا الانفتاح لا يعني وداعاً للرسم الكلاسيكي، فاللوحة تظل هي الجذر الأساسي الذي أعود إليه بين الحين والآخر لإعادة فهم علاقتي بالفن، فالتنوع بالنسبة لي ليس تخلياً عن القديم، بل هو رحلة استكشافية مستمرة تنطلق من مرسمي التقليدي لتعود إليه برؤى وآفاق جديدة.
عملك الشهير (الغريق) عام 2003 كان نقطة فارقة في المشهد العماني، كيف توظف عناصر مثل (الماء) و(الدوائر) لتطرح تساؤلات الوجود الكبرى، مثل (دائرة المهد) و(دائرة اللحد)؟
يُمثل عمل «الغريق» (2003) محطة جوهرية في مساري الفني، حيث وظفتُ فيه عنصر (الماء) كبيئة رمزية تختزل صراع الإنسان الأزلي مع محيطه ومع ذاته، ففي هذا العمل، تظهر (الدوائر) كقدر محتوم يجسد التكرار اللانهائي لمحاولات النجاة، فالإنسان يسعى باستمرار لانتشال نفسه من العتمة والتقاط أنفاسه، لكنه يُسحب في كل مرة إلى القاع، وكأن هناك ثقلاً خفيًا يربط روحه بهمومها العميقة،لقد أتاح لي فن الميديا في هذا العمل تجاوز المحاكاة البصرية نحو بناء تجربة شعورية متكاملة، حيث لا يكتفي المتلقي بالمشاهدة، بل يستحضر بحواسه صوت الأنفاس المتقطعة والاستغاثة الصامتة تحت الماء، هذا المشهد الدائري يطرح تساؤلات وجودية كبرى حول المسافة بين (دائرة المهد) و(دائرة اللحد)، ويجسد تلك الحالة من السوداوية والآلام التي يواجهها الفرد في محاولاته للخروج من (الداخل) نحو الضوء، بذلك، تحول العمل من مجرد تركيب فني إلى مساحة لمعايشة الحالة الوجودية بكل ثقلها، مبرزاً قدرة الوسائط الحديثة على صياغة لغة تعبيرية تشتبك مع جوهر المصير الإنساني.
يلاحظ أن الوجوه في أعمالك تظهر غالباً بلا ملامح واضحة كأنها إشارات، هل هو هروب من تحديد الهوية، أم دعوة للمشاهد ليضع ملامحه الخاصة أو ملامح من فقدهم داخل عملك؟
تظهر الوجوه في أعمالي بلا ملامح محددة كدعوة مفتوحة للمتلقي، حيث أعتبرها في حالة (تشكّل مستمر) تتغير مع كل ضربة فرشاة، متأثراً في ذلك بمدرسة التجريد التعبيري وقوة الأداء التي نراها عند فنانين مثل (دي كونينغ). بالنسبة لي، لم يعد رسم الملامح التقليدية كافياً للتعبير عن تعقيد الإنسان، فالملامح الواضحة ليست سوى قشرة سطحية، بينما يكمن الجوهر في تلك الحالة السيالة التي تتجاوز الشكل نحو الإحساس الصافي.
إن محو الملامح في هذه السلسلة هو في حقيقته فعل كشف لا إخفاء، ومحاولة للتشكيك في فكرة الهوية الثابتة والجامدة. فالوجه غير المرئي يمثل الإنسان في حالة صيرورة دائمة، حيث يتقاطع المرئي باللامرئي، ويتحول العمل الفني إلى مساحة ممتلئة بالاحتمالات تتيح للمشاهد أن يضع فيها ملامحه الخاصة أو ملامح من فقدهم. هكذا، لا يعود الوجه مجرد تعريف للشخصية، بل يصبح أثراً عابراً ووميضاً لحقيقة روحية وجودية يصعب الإمساك بها، مما يفتح حواراً عميقاً بين الذات وبين الذاكرة الجماعية حول ما لا يمكن تثبيته أو نسيانه.
كنت من مؤسسي (جماعة الدائرة) التي أحدثت هزة في المشهد التشكيلي العماني عام 1999، بعد مرور أكثر من ربع قرن، هل تعتقد أن (الدائرة) اكتملت، أم أن الفن العماني ما زال بحاجة إلى (دوائر) جديدة من التمرد الفني؟
مثّلت (جماعة الدائرة) عام 1999 لحظة مفصلية لاستنهاض الفن المعاصر في عُمان، حيث سعينا من خلالها إلى دمج الموروث الشعبي والشعري بقوالب معاصرة جريئة تواكب الحراك العالمي. وبعد مرور ربع قرن، أستطيع القول إن (الدائرة) لم تكتمل بمعنى الانغلاق، بل امتد أثرها ليصبح نهجاً مستمراً في التجريب وتعدد الوسائط، وتجسد نموها في منصات مثل (ستال جاليري) التي احتضنت الأجيال الصاعدة. إن المشهد الفني العماني اليوم، بما يشهده من حراك لجيل جديد يواصل البحث والتمرد الفني، هو الثمرة الحقيقية لتلك البدايات، مما يؤكد أن الفن لا يحتاج لدوائر مكتملة بقدر ما يحتاج لدوائر متجددة تعيد صياغة الهوية بروح العصر.
في مشاركتك بمعرض (مكننة)، ناقشت تحولات الخليج بعد دخول النفط، كيف استطعت من خلال (فن الفيديو) إحياء تفاصيل اجتماعية مهملة وضاعت في زحام الحداثة؟
جاء عملي (انعكاس من الذاكرة) في معرض (مكننة) كقراءة فنية للتحول الجذري الذي عاشه الخليج مع طفرة النفط، حيث انتقل الإنسان من حميمية الحواري القديمة إلى واقع حديث أكثر اتساعاً وأقل ترابطاً. وظفت (فيديو آرت) لا لإعادة الماضي حرفياً، بل لاستحضاره كحالة سريالية شبحية؛ حيث تظهر البيوت كآثار وتعود الأصوات كأصداء متقطعة تتداخل مع الحاضر. ومن خلال تقنيات الصورة المتحركة والشظايا البصرية، استطعتُ إحياء تفاصيل اجتماعية مهملة وتسليط الضوء على (شعور الفقد غير المعلن)، ليصبح العمل مساحة لاستنطاق طبقات الهوية التي تأرجحت بين الانتماء للمكان القديم وبين تسارع التحديث، محولاً الذاكرة إلى الملاذ الأخير لفهم تحولات المكان والإنسان.
بعد رحلة بدأت من منتصف الثمانينات وحتى الوصول إلى بينالي البندقية؛ ما هو السؤال الوجودي الذي لا يزال حسن مير يطرحه على الكانفاس ولم يجد إجابته بعد؟
بعد رحلة طويلة بدأت من الثمانينيات ووصولاً إلى العالمية، لا يزال سؤالي الوجودي يدور حول ماهية الوجود وصدق الإدراك: (هل أنا موجود حقاً كما أرى؟ وكيف يمكنني الاستمرار وسط هذا التقلب في الوعي؟). إنني أطرح هذا السؤال عبر أشكال وإشارات غير مكتملة، ووجوه تقف على الحد الفاصل بين الظهور والاختفاء، محولاً الغموض من نقص إلى مساحة ضرورية للشك والتأمل.
هذا التساؤل يتجسد اليوم في مشروع جديد يستكشف حالة (السبات والغياب)، حيث أبحث في التوتر القائم بين الحضور الجسدي والغياب الذهني، وبين الوعي واللاوعي. بالنسبة لي، لم يعد الفن يقدم إجابات نهائية، بل أصبح وسيلة لاستكشاف حالات الانفصال عن العالم، حيث لا يكون الغياب انقطاعاً عن الحياة، بل حالة أخرى من الوجود الأعمق الذي لا يمكن تثبيته أو حصره في صورة واحدة.