يأتي الاحتفال باليوم العالمي للعمال، الذي يوافق الأول من مايو من كل عام، في ظل جملة من التحولات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة التي تلقي بظلالها على بيئة وسوق العمل، وتفرض تحديات متزايدة على منظومات الحماية الاجتماعيَّة، وفي مقدمتها نظام الأمان الوظيفي. حيث استُحدث هذا النظام ليمثل إحدى أهم أدوات الحماية الاجتماعيَّة في سلطنة عُمان، وصمام أمان للعاملين العُمانيين في القطاع الخاص والأهلي، ممن تم تسريحهم من وظائفهم قسرًا، بما يوفر لهم دخلًا مؤقتًا يضمن الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي خلال فترة البحث عن فرصة عمل جديدة. غير أن المستجدات الأخيرة المرتبطة بوقف تمديد منفعة الأمان الوظيفي، وتضرر ما يصل إلى (17) ألف مواطن مُسرَّح من عمله، فتحت بابًا واسعًا من التساؤلات المشروعة لدى شريحة المسرحين من أعمالهم. إذ ينظر كثيرون إلى هذه القرارات بمزيد من القلق والترقب، وتغييب الغايات الوطنيَّة من إقرار منفعة الأمان الوظيفي، وما تؤدي إليه من ضغوط معيشيَّة إضافيَّة في ظل غياب بدائل وظيفيَّة مناسبة، وهو ما يعكس حالة من التوجس حول مدى مراعاة هذه السياسات للظروف الواقعيَّة للمواطن. ولعل مكمن القلق في هذا الأمر مرده أيضًا غياب مسار الشفافيَّة والوضوح في الإجابة عن التساؤل الذي تطرحه الفئات المدرجة، أو المفترض إدراجها ضمن هذه المنظومة (المسرحين عن عمل/ والباحثين عن عمل): لماذا يتم اتخاذ مثل هذه القرارات غير المحفزة في وقت تشير فيه المؤشرات الاقتصاديَّة ـ بفضل الله ورؤية القيادة الحكيمة لجلالة السُّلطان في كفاءة إدارة الوضع المالي للبلاد ـ إلى وجود فائض في الموازنة العامة للدولة؟ وبالتالي مدى مراعاة هذه السياسات التي تنتهجها منظومة الحماية الاجتماعيَّة للظروف الواقعيَّة للمواطن، وأولويَّة توجيه هذه الموارد، ومدى انعكاسها على تحسين مستوى معيشة المواطنين، لا سيما الباحثين عن عمل والمسرحين؛ كونهم يمثلون ركيزة أساسيَّة في بناء الاقتصاد الوطني، وأي خلل في استقرارهم الاقتصادي والاجتماعي قد ينعكس سلبًا على منظومة الإنتاج ككل. من هنا، تبرز جملة من التحديات المرتبطة بفعاليَّة نظام الأمان الوظيفي، وقدرته على تحقيق التوازن بين تقديم الدعم المالي وتحفيز المستفيدين على العودة إلى سوق العمل بمزيد من الدافعيَّة والنشاط والرغبة والشعور والحس الوطني. ولعل من أبرز هذه الإشكالات مسألة الإفصاح عن جديَّة الباحث عن عمل، حيث تشترط اللوائح إثبات نشاط المستفيد في البحث عن وظيفة، ووفقًا لما نصت عليه اللائحة التنفيذيَّة لقانون الحماية الاجتماعيَّة، فإن من متطلبات الاستحقاق إثبات جديَّة الباحث عن عمل، ومنها عدد الفرص الوظيفيَّة المعروضة والمقبولة أو المرفوضة. ويمكن تحسين مستوى الإفصاح عن هذه البيانات عبر تطوير منظومة أكثر دقة وشفافيَّة، تعزز الثقة وترفع درجة الإفصاح وتبادل المعلومات، وأهميَّة معالجة فجوة المعلومات بين الجهات المختلفة. فإن غياب منظومة بيانات دقيقة ومتكاملة يضعف من كفاءة هذا المعيار. لذلك تبرز الحاجة إلى تطوير منصات رقميَّة موحدة، تتيح توثيق الفرص الوظيفيَّة، وقياس مدى ملاءمتها، وتوفير مؤشرات أداء تعكس واقع البحث عن العمل بشكل شفاف وعادل.
ولا يقف الأمر عند حدود البيانات، بل يمتد إلى ضرورة بناء قواعد معلومات شاملة تراعي الجوانب الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والمعيشيَّة للمسرحين، بما في ذلك التزاماتهم الماليَّة وظروفهم الأسريَّة ومهاراتهم المهنيَّة، وكذلك الفئات والحالات الأخرى كالباحثين عن عمل، التي يُفترض أن تدرسها منظومة الحماية الاجتماعيَّة وتضعها في قائمة الأولويَّات والاهتمامات. فمثل هذا التكامل في البيانات من شأنه أن يسهم في تقديم فرص عمل أكثر ملاءمة، ويعزز ثقة المواطن في منظومة الأمان الوظيفي، ما يؤكد في الوقت نفسه على أهميَّة إيجاد معالجات جادة للموضوع تتجاوز التفكير النمطي القائم على عدم الثقة وقطع المنفعة القائم على التكهنات والمزاجيَّة، إلى امتلاك بدائل وخيارات مرنة تمنح المواطن المسرح من عمله أحقيَّة الاختيار من بين بدائل وخيارات وظيفيَّة متعددة، وهو أمر أقرته اللائحة التنفيذيَّة كشرط لقبول المسرح عن عمله. لذلك يتحدث الكثير من المسرحين بأنه لم تُعرض عليهم الوظائف اللائقة التي تتناسب مع وظائفهم السابقة، أو تلك الوظيفة التي يقترب راتبها من الوظيفة التي كان يشغلها الموظف بنسبة (60%) كأقل تقدير، حتى يستطيع أن يواصل مشوار العطاء والإنتاجيَّة، ويحافظ على درجة الاستحقاق الأسري، ويضمن استمرار مستويات العطاء لديه في وضعها الآمن، بما يعني قدرة هذه المعطيات والمستجدات، في ظل قراءة واعية للواقع واستشراف لحالة وظروف واحتياجات ووضع المسرح من عمله، على تحقيق التوازنات في حياته المعيشيَّة.
ومن جانب آخر، تأتي مسألة مدة صرف بدل الأمان الوظيفي كأحد أبرز التحديات، إذ ينص النظام على حد أقصى يبلغ (12) شهرًا، وهي مدة قد لا تكون كافية في ظل محدوديَّة الفرص الوظيفيَّة وبطء دورانها في بعض القطاعات. كما أن الفجوة بين الأجور السابقة والفرص المتاحة حاليًّا أمام المسرح من عمله، تضع المستفيد أمام خيارات صعبة قد لا تضمن له مستوى معيشة لائقًا. وعليه، فإن الحاجة باتت ملحَّة لإعادة النظر في هذه المدة، ليس فقط من حيث التمديد، بل من حيث المرونة وربطها بمتغيرات السوق وطبيعة التخصصات. بالإضافة إلى تحديات أخرى تتعلق بالعمر، حيث يواجه بعض المسرحين، خصوصًا من تجاوزوا سن الثلاثين، صعوبات أكبر في العودة إلى سوق العمل، نتيجة المنافسة مع الفئات الأصغر سنًّا، أو وجود قيود غير مبررة في بعض القطاعات، وهو ما يستدعي إعادة النظر في الأطر والتشريعات، وتبني سياسات أكثر مرونة، تركز على الكفاءة والخبرة، وتوفر برامج إعادة تأهيل مهني تواكب متطلبات السوق.
وعليه، فإن معالجة هذا الملف لا يجب أن تتم بمعزل عن أولويَّة العمل بإغلاق منافذ التسريح، وضبط ممارسات التسريح القسري التي قد تلجأ إليها بعض الشركات لأسباب وهميَّة، منها إعادة الهيكلة أو البحث عن تقليل التكاليف. وهنا تبرز أهميَّة تفعيل الرقابة على الشركات، ووضع ضوابط واضحة تضمن عدم إساءة استخدام هذه الممارسات، بما يحفظ حقوق العاملين ويعزز استقرار سوق العمل.
وفي المقابل، لا بد من التأكيد على أن نجاح نظام الأمان الوظيفي لا يعتمد فقط على الدعم المالي، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل برامج إعادة التأهيل والتدريب، وخلق فرص عمل حقيقيَّة تتناسب مع مؤهلات المسرحين. كما ينبغي ضمان جودة الفرص الوظيفيَّة المعروضة، بحيث لا تكون مجرد استيفاء شكلي للشروط، بل خيارات حقيقيَّة تتيح للمستفيد إعادة الاندماج في سوق العمل بكرامة. وهنا يبرز دور التكامل المؤسسي بين الجهات الحكوميَّة والاقتصاديَّة؛ إذ إن خلق فرص العمل يتطلب سياسات اقتصاديَّة مستديمة تحفز الاستثمار، وتدعم ريادة الأعمال، وتفتح المجال أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة للنمو. كما أن تعزيز ثقافة العمل الحر، وتبسيط الإجراءات، وتوسيع نطاق الابتكار، تمثل مسارات واعدة لاستيعاب القوى العاملة الوطنيَّة وتقليل الاعتماد على الوظائف التقليديَّة. وفي هذا الإطار، يشكل تفعيل دعم الأجور أحد الأدوات المهمة التي يمكن أن تسهم في الحد من التسريح، خصوصًا في حالات الأزمات الماليَّة المؤقتة التي تواجهها بعض المؤسسات. غير أن نجاح هذا التوجه مرهون بوجود معايير واضحة، ورقابة فعالة تضمن توجيه الدعم بشكل عادل، وتمنع أي محاولات للتحايل أو الاستغلال.
وعليه، فإن تطوير هذا النظام يجب أن ينطلق من رؤية استراتيجيَّة شاملة، توازن بين الحماية المعيشيَّة للمواطن وضمان الاستدامة الماليَّة، وتستند إلى فهم عميق لواقع سوق العمل وتحدياته في ظل استمرار سيطرة العمالة الوافدة، وتزايد الممارسات السوقيَّة غير المنضبطة كالاحتكار والتجارة المستترة. وبهذا يمكن لمنفعة الأمان الوظيفي أن تتحول من إجراء مرحلي إلى أداة فاعلة في تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، بما ينسجم مع تطلعات الحاضر وآفاق المستقبل. فإن كفاءة وجاهزيَّة الأمان الوظيفي في تحقيق دوره لا يقتصر تأثيرها على الفرد، بل يمتد ليشمل الاقتصاد الوطني ككل، إذ يسهم في الحفاظ على القوة الشرائيَّة، ودعم الطلب المحلي، واستقرار المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وفي المقابل، فإن أي تراجع في هذا الأمان قد يؤدي إلى تراجع اقتصادي نتيجة انخفاض القوة الشرائيَّة والإنفاق وإغلاق الأنشطة التجاريَّة.
أخيرًا، ومع الشكر لجهود الاتحاد العام للعمال، يبقى دوره المتعاظم في الحد من التحديات التي تواجه نظام الأمان الوظيفي محطة تحول لصناعة الأثر وضبط المسار، عبر تكامليَّة الأدوار والشراكة الفاعلة مع أطراف الإنتاج، القائمة على تطوير آليات الحوار الاجتماعي المؤسسي، والانتقال من معالجة الأزمات بعد وقوعها إلى الحدس والتنبؤ بالمخاطر، وتحليل فجوات سوق العمل، واقتراح سياسات استباقيَّة تعزز استقرار القوى العاملة الوطنيَّة، وتقديم مبادرات نوعيَّة بالتعاون مع الحكومة وأصحاب العمل لرفع كفاءة بيئات العمل، وتعزيز الالتزام بالتشريعات، وتمكين الجمعيَّات العماليَّة من رفع درجة الوعي بالحقوق وأنظمة العمل، وتمكين العمال من إتقان أفضل الممارسات، وربط الحوافز الإنتاجيَّة بمستويات الأمان الوظيفي، بما يسهم في تقليل حالات التسريح وتحسين صورة الكفاءة الوطنيَّة. فإن تعظيم الثقة بين الأطراف يتطلب شفافيَّة في الطرح، ومصداقيَّة في التنفيذ، وقياسًا مستمرًّا للأثر الناتج عن مخرجات الحوار، بما يحولها إلى قرارات عمليَّة تسهم في خلق بيئة عمل مستقرة ومحفزة، حافظة للحقوق، معززة للقدرات، صانعة للقدوات والنماذج الوطنيَّة من أجل عُمان المستقبل.
د.رجب بن علي العويسي