الأحد 03 مايو 2026 م - 15 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

التفاؤل.. علاج ناجع لرحلة الإبحار الآمن إلى المستقبل

التفاؤل.. علاج ناجع لرحلة الإبحار الآمن إلى المستقبل
السبت - 02 مايو 2026 10:49 ص

سعود بن علي الحارثي

20


تحتشد وسائل التواصل بخطابات ورسائل وتنظيرات تدعو إلى التفاؤل والإيجابيَّة والسلام مع النفس ووضع الثقة في الله، خالقنا وراسم مستقبلنا، من بيده الخير والشر.. وتجنب الأخبار المزعجة التي تبث الخوف والهلع وتراكم القلق، والابتعاد كذلك عن السلبيين المتشائمين الذين يحطمون الإرادة الإنسانيَّة ويدمرون أساسات النجاح ودعاماته، والتعامل مع الفواجع والأحداث الطبيعيَّة التي ترزأ الفرد والجماعة بواقعيَّة وإيمان، والإعداد والاستعداد لها مسبقًا لكونها جزءًا من تحديات الحياة وقانون أساس في هيكل الأحداث التي تشكل مسيرة الإنسان. فالمرض والموت والضعف والشيب و»التفجع» بموت حبيب، من الظواهر والظروف الطارئة التي نصاب بها ولا منجاة ووقاية منها.. وتتواصل التوصيات والنصائح من متخصصين وأصحاب تجارب وخبرات ومصلحين وعلماء دين بضرورة أن نقدم التفاؤل والأمل والرجاء وتفعيل أداة الإرادة لاستعادة قوتها وفاعليَّتها على التعافي والتخارج من حالات الإحباط وأسباب «التفجع»، مهما كانت الظروف والتحديات والآلام والأوجاع والرزء؟ وأن نسعى ونجتهد للغوص في فيوض الطبيعة وجماليَّاتها والاستمتاع بالعلاقات والصحبة، وتوطيد العلاقة بالكتاب والقراءة والعبادة والسفر والتطواف والاحتكاك والتعرف على الشعوب وتقاليد الحياة التي يعيشونها، كأسلحة سلام تعيد للروح طمأنينتها وتفاؤلها وعافيتها وقدرتها على الاستمتاع بالحياة، ومواجهة قسوتها ومآسيها التي لا تتوقف.. «قررت أن أطلق حملة للتفاؤل والأمل، ففي وسط كل ما نعيشه من ظروف مضطربة وتوترات، نحتاج أن نتفاءل ونعزز الأمل الإيجابي بالفرج، وأن نثق بأن النور في آخر النفق، أكتبوا عن الأمل والثقة والفرج.. شخصيًّا أمر بظروف صعبة في.. ولكني لن أستسلم وعندي أمل بأن الغد سيكون أفضل.. لنرسل رسالة للحياة، للمسؤولين، للمرضى، للفقراء بأن غدًا أجمل ينتظرنا». هذه الرسائل النموذج تفيض بها برامج وحسابات وقنوات «السوشيال ميديا»، وفي الفضاء الواسع كتب كثيرة تصدر وتنشر لمعالجة المصابين بالتشاؤم والحالات والضغوط النفسيَّة والإحباطات، ويرتفع عدد المراكز والمستشفيات وعيادات الأمراض النفسيَّة، في تعبير واضح وتأكيد خطير ومؤشرات تنمو على ازدياد مشاكل القلق وحالات الاكتئاب والانطواء والجنوح للانتحار.. ما يستدعي بحق تضافر كل الجهود الحكوميَّة والخاصة ومبادرات الأفراد والمجتمع لتعزيز بيئة مشبعة بالتفاؤل والأمل والسلام والجمال والحب والوئام، والعيش في أجواء تتوطد فيها روح الجماعة والتكاتف والتلاحم، واللقاءات المعمقة للقيم والنوازع والمشاعر الإنسانيَّة التي تحس بمتاعب ومشاكل وفواجع الآخر داخل الجماعة... فالتشاؤم يولد من نظرة الإنسان السلبيَّة، والتفاؤل تفرزه أحاسيس ومشاعر إيجابيَّة، والفرق جلي بين المتفائل المرتبط بالحياة والمتشائم الأقرب إلى الموت.. وللأدباء والمفكرين أقوال ونصوص غنيَّة بالمحتوى والمعنى يقربان للقارئ حقيقتهما وأثرهما ونتائجهما على الحياة والإنسان وجسده وصحته ومرضه ومستقبله ومجتمعه... مثالًا على ذلك: «المتفائل ينظر إلى الجزء الممتلئ من الكوب، والمتشائم ينظر إلى الجزء الفارغ منه». و»المتفائل يرى في كل مشكلة حلًّا، والمتشائم يرى في كل حل مشكلة». و»المتفائل ينظر إلى الورد، والمتشائم ينظر إلى ما حول الورد من شوك». وعندما «تلبى حاجات الفرد يشعر بالتفاؤل ويقبل على الحياة بهمة ومثابرة ويحقق توافقه النفسي، أما إذا فشل يشعر بخيبة الأمل وينعكس سلبًا عليه بنظرة تشاؤميَّة أمام شتى المواقف». وتعرف منظمة الصحة العالميَّة، التفاؤل على أنه «عمليَّة نفسيَّة إراديَّة تولد أفكارًا ومشاعر للرضا والتحمل والثقة بالنفس، وهو عكس التشاؤم الذي يميز الجوانب السلبيَّة للأحداث فقط مما يستنزف طاقة المرء ويشعره بالضعف والنقص في نشاطه». والمجتمعات والعالم في عمومه يحتاج إلى الإنسان المتفائل، الذي يمتلك «نظرة استبشار نحو المستقبل تجعله يتوقع الأفضل وينتظر حدوث الخير ويرنو إلى النجاح ويستبعد ما خلا ذلك، على عكس المتشائم الذي يمتلك «طبعًا ذهنيًّا يعود عليه بالشقاء، ويضعضع همته ويفتت عزيمته فيعيش ميتًا». وعندما كنا قبل سنوات حبيسي بيوتنا نحاول استيعاب جائحة «كوفيد 19»، ونستمع إلى نمو أرقام البشر المصابين بعدواه، ونتجرع الأحزان لأعداد الأرواح التي فتك بها، ونتلقى التعليمات بالاحترازات والقيود المفروضة والمنع من الاختلاط والتحرك والسفر، ونتحسر على حرماننا من عناق أم وزوجة وولد.. عبرت عن التشاؤم الذي يجثم على نفسي ببضع كلمات: «لا أخفيكم سرًّا بأن مشاعر الكآبة والحزن والضيق تنتابني وتهيمن علي كلما أصدرت اللجنة العليا، قرارات جديدة تتضمن حظرًا جزئيًّا ـ وهو ما تكرر بين رفع وإعادة وتخفيف وتشديد ـ أو كليًّا، كما حدث أيام عيد الحج الأكبر، وإغلاقات واحترازات أخرى، ولا أشك بأن الكثيرين يشاركونني المشاعر، فالإنسان بطبيعته مولع منسجم عاشق لكل ما يمت بصلة إلى الحريَّة في مجالها الواسع، ينتصر لها ويضحي ويحارب من أجلها، وقيود «كوفيد19»، تصفد الحريَّة وتحاصرها وتضيق عليها، وتعزل الإنسان عن محيطها، وتشعره بالاحتجاز والتكبيل، وتعطل مصالح الناس، وتنهك الاقتصاد، وتقود إلى المزيد من خسائر الأنشطة والأوردة والأعمال التجاريَّة، وإلى إحباطات ومشاكل وأمراض نفسيَّة، ولأن هذه القرارات المشددة تبعث برسالة قاتمة على تفشي الجائحة وعلى أن طريق التعافي ما زال طويلًا». وفاجعة موت أُمي التي قلبت مشاعري ومزاجيَّتي رأسًا على عقب، وأرتني الحياة من جوانب وزوايا أخرى لم أحسب لها حسابًا وأنا أتقلب في مباهج الدنيا ومفاتنها غير عابئ بما يحدث للآخرين، وصفتها بالآتي: «الوجع الذي يملؤ علي نفسي ويتغلغل في أحشائي وينخر عظامي ويكاد يكتم أنفاسي ويسيطر على كل مشاعري وأحاسيسي، أحال هذه الدنيا بفضائها الواسع ومفاتنها الآسرة ومباهجها النظرة لتصبح أضيق من خرم إبرة، بل وأرى كل هذا الجمال الدنيوي الذي يتمتع به البشر أبشع من أي كابوس قد يتوقعه الإنسان في حياته، والنسيم العليل الذي يبهج النفوس ويشرح الصدور ويحفز على الإبداع أثقل على قلبي من الجبال الشم، الأوجاع أكبر من أن تعبر عنها الكلمات وتحيط بها الأقلام، وتحتويها الأوراق والكتب والصفحات.. فاجعة انفطر من هولها قلبي واهتز عقلي حتى كدت أفقده، قلبت حياتي وشطرت نفسي أجزاء تشبه انكسار الزجاج والمرايا، فيا لوحشة الحياة عندما يفقد الإنسان أُمه، ويسلبها منه الموت، فهل أستسلم يا ترى لهذا الفقد وأحزانه وأوجاعه وآهاته وأصبح أكثر هشاشة فتذروني الرياح؟ أم أبذل جهدي في سبيل التعافي والخروج من أزماتي وأجعل من هذا التحول ـ المصيبة ـ دافع خير وقوة وولادة جديدة تكون فيها حياتي أكثر وعيًا وفهمًا للحياة وتقلباتها وقدرة وتمكنا من مواجهة عواصف رياحها وكوارثها وهزاتها العنيفة؟ وأدرك بأن الموت حق علينا جميعًا، والحياة الدنيا «دار فناء لا بقاء»، وما هي إلَّا «أحزان مؤجلة» ويوم علي وما بعده على قرين آخر، وجميعنا في نهاية المطاف راحلون، تقدم من تقدم، ومن تأخر منا ففي طريقه لا محالة ذات النهاية وإن طال به العمر، وعلينا أن نواجه الأزمات والمصابات بروح صلبة وقلب قادر على تجاوزها قارئ لحكمتها ودروسها، وهذا ما أبذل جهدي لممارسته وتطبيقه وتنفيذه على نفسي في هذه الأيام الفاصلة من حياتي». الإنسان يحتاج إلى روح وقادة، وعقل نشط، وتفكير واعٍ، وبيئة فاعلة محفزة على استعادة التفاؤل في لحظات «التفجع»، جمال الحياة وعمق المعنى في أوقات الشدة، التعافي من التشاؤم ومن الأمراض النفسيَّة المدمرة التي تصيب الإنسان.

سعود بن علي الحارثي

[email protected]