الخميس 30 أبريل 2026 م - 12 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

الهندسة الدبلوماسية للقانون العام فـي مواجهة الجرائم الاقتصادية .. حين يصبح القانون العام أذكى من خصومه

الهندسة الدبلوماسية للقانون العام فـي مواجهة الجرائم الاقتصادية .. حين يصبح القانون العام أذكى من خصومه
الأربعاء - 29 أبريل 2026 08:05 ص

حمد بن سليمان اليعربي

20

ثمة مفارقة تسكن قلب المنظومة القانونيَّة الحديثة، لا يرى ملامحها الحادة إلا من وقف طويلًا على حافة السؤال الصعب: لماذا؟ فرغم كل ما سُطِّرَ من قوانين، وصدرَ من لوائح، لا تزالُ الجريمةُ الاقتصاديَّة تنمو وتتمددُ كأنها تتنفسُ هواءً مجهولَ المصدر، تخيَّل صيَّادًا يجلس على شاطئ بحر، ويُلقي بشبكته ذات الثقوب الواسعة؛ بالطبع لن تعود إليه إلا بالأمواج، أما السمك فيمضي في سبيله دون أن يشعر بالخطر؛ كذلك القانون العام في مواجهته للجريمة الاقتصاديَّة يشبه هذا الصيَّاد تمامًا؛ إذ ليست المسألة في قوة ذراع الصياد ولا في ضخامة الشبكة، بل في دقة نسيجها وعمق إدراكِها لأساليبِ الإفلات والهروب.

فمنذ أن انتقلت الجريمة الاقتصاديَّة من صورتها الكلاسيكيَّة كاختلاس الأموال وتزوير السجلات إلى مشهدها الراهن البالغ التعقيد كالشركات الوهميَّة التي تتوالد عبر ولايات قضائيَّة لا تسأل ولا تُجيب، وأموال عامة تنزلق عبر حسابات تحمل أسماء بلا أصحاب، وعقود تبدو في ظاهرها نموذجًا للنزاهة وفي باطنها مسالك مُحكمة للنهب، وفي قلب هذا المشهد، بات كل فقيه قانوني حقيقي يطرح على نفسه السؤال المُقلق: ليس كيف نعاقب؟ بل كيف نُصمِّم قانونًا يستبق الجريمة قبل أن تكتمل وتختفي؟!

والواقعُ أن قوانينَ مكافحةِ الجرائمِ الاقتصاديَّة في كثيرٍ من دولِ العالم تعيشُ في عزلةٍ صارخة؛ فالتشريعاتُ الاقتصاديَّة في معظمِها لا تتحاورُ مع قانونِ الشركات، ولوائحُ هيئاتِ الرقابةِ الماليَّة التي تُشكِّلُ عالمًا موازيًا لا يلتقي بالإجراءاتِ الجزائيَّة إلا بشقِّ الأنفس، وفي هذه الهوَّةِ الصامتةِ يقطنُ المجرمُ الاقتصاديُّ مُطمئنًا؛ لأنه لا يخترقُ القانونَ، بل يمشي بين فصولِه ببساطة، لأن أحدًا لم يتصوَّرْ يومًا أن ردمَ المسافاتِ بينَها قد يكونُ هو القانونَ الحقيقي.

هنا يبرز ما يمكن تسميته بالهندسة الدبلوماسيَّة للقانون العام، وهو مصطلح قد يبدو للوهلة الأولى جمعًا بين ضدَّين، غير أنه في حقيقته وصف دقيق لطبيعة عمل القانون حين يبلغ أوج نضجه؛ فالهندسة تعني الدقة في البناء وحُسن توزيع الأوزان وضمان أن تحمل كل قطعة ما يُناسبها دون أن تنهار تحت ثقل لم يُحسب.

أما الدبلوماسيَّة هنا فتعني فن التفاوض، وإدارة التعقيد، والقدرة على بناء تحالفات في مواجهة خصم ذكي لا يردعه التهديد، أما دور المشرِّع في هذه المعادلة فيشبه دور المهندس المعماري فهو لا يُصمِّم الجدران وحدها، بل يُصمِّم العلاقة بين الجدران، ويفكِّر في كيفيَّة تدفق الهواء، ومواضعِ نقاطِ الضعف، وكيف يتصرف المبنى حين تضربه عاصفة غير متوقعة ولم تكن في الحسبان، وكذلك المشرِّع الحقيقي؛ فمهمته لا تقف عند كتابة المواد والنصوص التي تُعاقب على الرشوة، بل تمتد إلى تصميم منظومة تشريعيَّة متكاملة تجعل الرشوة صعبة الإخفاء، ومُكلفة وباهظة الاستمرار، ومستحيلة التبرير.

غير أنه مهما بلغت جودة القانون الداخلي فإنه يظلُّ منقوصًا ما لم يمتدَّ بذراعَيه إلى خارج الحدود؛ فالمجرم الاقتصادي الذكي يعلم أن أقوى درع يحميه ليس محاميًا بارعًا، بل خريطة جغرافيَّة يحفظ فيها الدول التي لا تُسلّم، والحسابات التي لا تُكشف والملذات التي تعلو فيها السيادة الماليَّة على كل اتفاقيَّة دوليَّة؛ لهذا فإن الدول التي تخوض مواجهة الجريمة الاقتصاديَّة بجديَّة لا تكتفي بتحديث قوانينها وتشريعاتها الداخليَّة فقط، بل تُحكم نسيجها من اتفاقيَّات التعاون القضائي، وتُفعّل بروتوكولات استرداد الأصول، وتجلس على طاولات التفاوض الدوليَّة لا بعقليَّة المتسوِّل المُستجدي، بل بعقليَّة الشريك النديّ؛ فلا معنى لقوانين مكافحة الجرائم الاقتصاديَّة إن لم يكن موصولًا بشبكات دوليَّة من التعاون، ولا قيمة لحكم قضائي بالمصادرة إن ظلت الأصول محميَّة بموانئ ماليَّة لا ترى في القانون الأجنبي أي إلزام.

وما يُفاجئ المراقب حين يدرس نماذج الدول الناجحة كسنغافورة وهولندا وكندا هو أن سر نجاحها لم يكمن في ضخامة أحكام السجن، بل في ذكاء إدارة الإثبات، وفن بناء الثقة الإجرائيَّة؛ فالجريمة الاقتصاديَّة تتوارى خلف شركات وهميَّة، وحسابات مُقسّمة عبر ولايات قضائيَّة متعددة، وعمليَّات مُموّهة بعقود ظاهرها المشروعيَّة، وباطنُها الاحتيال، ومن هنا تتجلى أهميَّة تطوير قانون الإثبات؛ ليواكب هذه التعقيدات بما يشمل الاعتراف بالأدلة الرقميَّة، وتعزيز صلاحيَّات الكشف عن الذمة الماليَّة.

ويبرز في صميم هذه المعادلة تحدٍّ فلسفي عميق: التوازن بين الردع والإصلاح؛ فالأنظمة عادة تتمسك بالعقوبة الكاملة في كل الأحوال؛ فتُحبط الاعتراف الطوعي، وتُكافئ الصمت، أما الأنظمة الناضجة فتدرك أن إقرار المتهم بجرمه، واسترداد الأموال المنهوبة يساوي من منظور السياسة القانونيَّة ما هو أثمن بكثير من حكم بالسجن على متهم صامت وأموال لن تُعاد أبدًا، وهذا التوازن الدقيق لا ينشأ بمجرد صياغة نصوص مرنة، بل يستلزم ما يشبه حوارًا دستوريًّا بين فروع الدولة الثلاثة وهي: السلطة التشريعيَّة التي تضع الأطر والحدود، والسلطة التنفيذيَّة التي تملؤ الفراغات بالسياسات والآليَّات، والسلطة القضائيَّة التي تضطلعُ بتأويلِ النصوص وفق منطق الغاية لا وفق حرفيَّة اللفظ. وحين تتناغم هذه السلطات الثلاث يتحول القانون العام من نص ساكن إلى نظام كائن حي قادر على مواكبة التطور المتسارع في أساليب الجريمة وأدواتها.

وربما تكون الحقيقة في هذه المقاربة أن القانون العام الفعَّال لا يصنعه الفقيه القانوني وحده، بل يصنعه مجموعة من المشرِّعين والاقتصاديين وخبراء التقنيَّة وعلماء الاجتماع والمحاسبين الجنائيين؛ لأن الجريمة الاقتصاديَّة في جوهرها ليست فقط خرقًا للقانون، بل هي إخفاق في منظومة الثقة المؤسسيَّة، وهو إخفاق لا يُعالج بنص واحد، بل بإعادة بناء معماري كامل لعلاقة الدولة بالسوق والمواطن والمؤسسات والدول الأخرى، وفي هذا السياق تبقى الثقافة المؤسسيَّة هي السلاح الخفي والأشد فتكًا، إذ إن القانون الذي لا تُؤمن به الأجهزة المنوطةُ بتطبيقِه سيظل كونه حبرًا على ورق، والنص التشريعي الأمثل لن يُنتج حكمًا عادلًا إن كان من يُطبِّقه يفتقر إلى الاستقلاليَّة أو يُعاني من ضغوط خارج منطق القانون.

فالدول التي آثرت ترقيع النصوص دون إعادة بناء المنظومة، وجدت نفسها في مواجهة جرائم تتجدد بأشكال تعجز عن مجاراتها قوانين ما زالت تفكِّر بمنطق الأمس، أما الدول التي آمنت بأن القانون العام حين يُصمَّم بعناية مهندس وحنكة دبلوماسي قادر على أن يكون في آنٍ واحد درعًا صارمًا، وجسرًا للإصلاح؛ وذلك من خلال توجيه رسالة بأن مكافحة الفساد ليست شعارًا يرفع، بل نظام حياة يُعاش، فإنها وحدها من نجح في الحد من هذه الجرائم، وشيَّدَ اقتصادات أجدر بالثقة، وأرسخَ في النزاهة، وهنا حين تلتقي الثقافة المؤسسيَّة السليمة بنصوص محكمة البناء، وأجهزة مستقلة الإرادة، وتعاون دولي حقيقي، حينها فقط يتحول القانون من تلك الشبكة ذات الثقوب الواسعة التي افتتحنا بها الحديث إلى نسيج متين لا تُفلت من قبضتِه الجريمةُ إلا بما يشبهُ المعجزة.

حـمـد بن سليمان اليعـربـي

كاتب عماني