أجريت خلال اليومين الماضيين مناورات عسكريَّة مصريَّة في شمال سيناء على بعد أمتار قليلة من حدود غزة «100 متر» يراها البعض أنها رسالة سياسيَّة وعسكريَّة مصريَّة لأي طرف، وبالأخص الكيان المحتل للأراضي الفلسطينيَّة، يريد الدخول في مراهقات سياسيَّة أو عسكريَّة، أو يحاول أن يختبر رد الفعل المصري لمن يجرؤ على مساس الحدود المصريَّة، خصوصًا إثر تداعيات حرب غزة على سيناء، مع رغبة في إرسال رسالة أن القاهرة مستعدة عسكريًّا وسياسيًّا لحماية حدودها، فيما ينظر الكيان المحتل إلى هذه المناورات بعين الخوف ويمنِّي النفس بأن المناورات ليست مقدمة لحرب، والقراءة الطبيعيَّة هي أنها رسالة ردع واستعداد أمني مصر في منطقة حساسة جدًّا، يرى من خلالها أن أي تصعيد في غزة قد ينعكس على الأمن المصري، سواء كانت (تهريبًا، تسللًا، نشاط جماعات مسلحة، موجات نزوح) لذلك المناورات رسالة واضحة أن الجيش المصري جاهز لأي طارئ لمنع سيناريو التهجير نحو سيناء، خصوصًا وأن القاهرة أعلنت أكثر من مرة رفضها لهذا السيناريو، وأن التدريبات القويَّة رسالة سياسيَّة وعسكريَّة بأن الحدود المصريَّة خط أحمر؛ إذ إن المناورات بالذخيرة الحيَّة هي تدريب حقيقي على حرب مشتركة، وهي تدريب عملي على تنسيق سلاح الجو مع المدرعات، في التعامل مع أي اختراق حدودي، سرعة الانتشار، القتال في بيئة صحراويَّة مفتوحة، وهذا مهم لأن سيناء مسرح عمليَّات مختلف عن باقي مناطق مصر، وهي كلها رسائل للكيان المحتل. في المقابل هي رسائل طمأنة للشعب المصري بإظهار القوة العسكريَّة التي تثبت أن الدولة تسيطر على الحدود وتتابع التطورات الإقليميَّة، وتبدد أي قلق شعبي. وتتعدد الرسائل لتكون إقليميَّة أيضًا؛ إذ تحذر الكيان المحتل بأن عليه احترام الحدود وعدم نقل الأزمة إلى مصر، وأنه يجب على المجتمع الدولي التأكد من أن مصر هي اللاعب الأساسي الذي لا يمكن تجاوزه في ملف غزة.
لماذا (F-16) و(Abrams)؟
استخدمت المناورات في التدريبات طائرات (F-16) رغم وجود العديد من أنواع الطائرات الأخرى، سواء الروسيَّة أو الأوروبيَّة مثل الرافال الفرنسيَّة. ويأتي استخدام الـ (F-16) لما تتميز به من السيطرة الجويَّة، ضربات دقيقة، استطلاع سريع، فيما استخدمت دبابات ( (Abramsلما تمثله من قوة ردع بريَّة وقدرة على التحرك السريع، واستخدام الذخيرة الحيَّة، يعني أن التدريب ليس استعراضًا شكليًّا، بل رفع جاهزيَّة حقيقيَّة، ولا يعني ذلك شن حرب بالضرورة، وإنما المناورات بالذخيرة الحيَّة تعني منع الحرب أكثر من التحضير لها، لأن إظهار الجاهزيَّة أحيانًا يردع الآخرين، لتؤكد الرسالة بأن مصر مستعدة عسكريًّا وسياسيًّا لحماية حدودها.
ينظر الكيان المحتل للأراضي الفلسطينيَّة إلى المناورات العسكريَّة المصريَّة قرب غزة بمزيج من المراقبة الجديَّة، والتي تترجم عادة على عدة مستويات، منها المستوى الرسمي الذي يعدُّها تدريبات سياديَّة طبيعيَّة من حيث المبدأ؛ إذ إن الكيان يعرف أن مصر دولة كبيرة ولها جيش قوي، ومن حقها إجراء تدريبات داخل أراضيها، ومن ضمنها سيناء والمناطق الحدوديَّة. لذلك الخطاب الرسمي غالبًا يكون هادئًا لتجنب التوتر، فيما المستوى الاستخباراتي فهو يقوم بمتابعة دقيقة جدًّا حتى لو اعتُبرت «روتينيَّة»، وأجهزة استخبارات الكيان المحتل تراقب بالتفصيل حجم القوات المشاركة، نوع الأسلحة المستخدمة، قربها من الحدود، مدة المناورات، هل هي تدريب دوري أم تحرك استثنائي؟ أي تغيير غير معتاد يتم تحليله فورًا، والنتيجة الطبيعيَّة هي القلق الذي يدب داخل أجهزة الكيان المحتل ويزداد أكثر هذا القلق لما تحمله المناورات من رسائل سياسيَّة، ربما تُقرأ كرسالة ردع موجهة للكيان بشأن رفض تهجير سكان غزة إلى سيناء، رفض خرق ترتيبات الحدود، التحذير من توسيع الحرب. والأكثر رعبًا هو أن بعض التحليلات داخل «إسرائيل» ترى أن الجيش المصري يطور قدراته منذ سنوات، وأن أي مناورات كبيرة تستحق الانتباه طويل المدى، حتى لو لم تكن تهديدًا مباشرًا الآن. بمعنى لا خوف فوري، لكن لا تجاهل استراتيجي، هذا الخوف الذي لاح من مناورات الجيش المصري يثبت أن مصر دائمة الاستعداد للدفاع عن حدودها ومياهها الإقليميَّة، مقدراتها، وأن أي مغامرة سيكون الرد عليها حاسمًا.
جودة مرسي
من أسرة تحرير «الوطن»