تعزيزًا للشفافيَّة وترسيخًا لنهج التواصل مع المجتمع، وتجسيدًا للتوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ خلال لقائه برئيس وأعضاء مكتب مجلس الدولة في الثاني والعشرين من أغسطس 2025 بقصر البركة العامر، وما أكده جلالته ـ أعزَّه الله ـ من أهميَّة مبدأ الشراكة والاندماج في قضايا المجتمع والتفاعل معها، وتبنِّي آليَّات أكثر فاعليَّة في توضيح الصورة وإعادة تصحيح المشهد وضبط متغيراته، وخلق روح وطنيَّة إيجابيَّة تجعل من الجهد الجمعي والوعي المجتمعي نقطة التقاء تحفظ مسار الثقة في الأداء الحكومي؛ وفي سياق بناء مسار تواصلي مستدام، عقد مجلس الدولة لقاءه الإعلامي الأول يوم الاثنين الموافق الـ(27) من أبريل 2026.
استعرض المجلس خلال هذا اللقاء أبرز منجزاته ومهامه الوطنيَّة في أدوار الانعقاد الأول والثاني والحالي من الفترة الثامنة، حيث شكَّل اللقاء محطة مهمة لعرض حصيلة العمل البرلماني وإبراز الجهود المبذولة في دعم المنظومة التشريعيَّة، وتعزيز مسارات التنمية الشاملة في سلطنة عُمان. وقد كشف المجلس عن دراسته ومراجعته (29) مشروع قانون في مجالات اقتصاديَّة واجتماعيَّة وتقنيَّة وقانونيَّة وتعليميَّة وابتكاريَّة، بما يعكس اتساع نطاق اهتماماته وتفاعله مع متطلبات المرحلة. كما ناقش (3) مشروعات للميزانيَّة العامة للدولة، ورفع (4) دراسات رئيسيَّة إلى الحكومة تناولت التنويع الاقتصادي والتعليم وحوكمة البيانات، إلى جانب العمل على (12) دراسة أخرى قيد الإنجاز. وتُمثِّل هذه الجهود ركيزة أساسيَّة في دعم التوجهات الوطنيَّة وتحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040».
إنَّ تأكيد دور مجلس الدولة في تعزيز التواصل المجتمعي، وبناء حوارات مستديمة يستند إلى طبيعة اختصاصاته والدور المحوري الذي يؤديه ضمن منظومة «مجلس عُمان». ففي افتتاح دور الانعقاد الأول من الفترة الثامنة في الـ(14) من نوفمبر 2023، ثمَّن جلالة السُّلطان المُعظَّم الجهود المبذولة والمبادرات الفاعلة لأعضاء المجلس خلال الفترات الماضية، مشيدًا بنضج التجربة البرلمانيَّة وتكاملها مع أجهزة الدولة المختلفة، كما استعرض جلالته منجزات النهضة المتجددة، ورسم مسارات العمل الوطني للمرحلة القادمة، موجهًا قطاعات الدولة كافة ـ وفي مقدمتها مجلس عُمان ـ إلى العمل على تحقيقها، بما يؤكد مكانة المجلس والثقة السامية في أدائه كشريك أساسي في منظومة الدولة.
ومن هذا المنطلق، يجسِّد العمل التشريعي البرلماني موقعًا متقدمًا في رسم وتنفيذ السياسات الوطنيَّة في إطار من الشراكة والتكامل المؤسسي، بما يسهم في تحسين الأداء وتعزيز كفاءة الجهاز الحكومي. وتستند قوة العمل البرلماني إلى منظومة من الأُطر والقواعد والمنهجيات التي أرستها التجارب المتراكمة لمجلس الدولة في ممارسة اختصاصاته المنصوص عليها في النظام الأساسي للدولة وقانون مجلس عُمان، وفق أُسس واضحة واستراتيجيَّات واقعيَّة ومسارات عمل محكمة. ويؤكد ذلك أهميَّة التشريع في بناء الدولة الحديثة وضمان توجيه الأداء الحكومي بما يخدم مصالح المواطنين، ويعزز قيم المشاركة المجتمعيَّة ويمنح المواطن دورًا فاعلًا في مختلف مراحل صنع القرار. لذلك برز مجلس الدولة كأحد الأعمدة الأساسيَّة في تشكيل هذا المسار وتعظيم أثره، بما يؤديه من دور محوري في تحقيق التكامل بين الحكومة والمجتمع، وتعزيز مفهوم صناعة الأثر عبر نهج تواصلي وأُطر حواريَّة فاعلة، سواء من خلال دراسة مشروعات القوانين وإبداء الرأي بشأنها، أو اقتراح تشريعات تستجيب لمتطلبات التنمية، أو عبر الدراسات البرلمانيَّة المعمقة التي تعالج القضايا الوطنيَّة وتضع في أولويَّاتها معيشة المواطن.
وقد شكَّلت مسارات العمل التي انتهجها المجلس نقلة نوعيَّة في أدائه، انعكست على السلوك البرلماني ودخوله في عمق الحدث الوطني؛ فهو يعبِّر عن تلاقي مصالح الحكومة والمواطن من خلال ما يقرُّه من قوانين وتعديلات، أو ما يقترحه من سياسات وأُطر تشريعيَّة تستهدف تحقيق المصلحة العامة. كما يضطلع بدور خارجي مهمٍّ عبر الدبلوماسيَّة البرلمانيَّة، من خلال مشاركته في البرلمانات الإقليميَّة والدوليَّة، وتفعيل لجان الصداقة، بما يسهم في دعم الدبلوماسيَّة الوطنيَّة، وتعزيز حضور سلطنة عُمان في المحافل الدوليَّة. كما شهدت سياسات المجلس، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، تطورًا ملحوظًا انعكس على طبيعة إنجازاته ونوعيَّة أدائه. فقد أصبح المجلس أكثر انخراطًا في القضايا الوطنيَّة، وأكثر قدرة على التعبير عن تطلعات المواطنين، من خلال ما يقرُّه من تشريعات أو يقدمه من مقترحات تسعى لتحقيق المصلحة العامة. وفي الوقت ذاته، عزز المجلس حضوره الخارجي عبر مشاركته في المحافل البرلمانيَّة الإقليميَّة والدوليَّة، وإسهامه في دعم الدبلوماسيَّة الوطنيَّة من خلال لجان الصداقة البرلمانيَّة، بما يعزز من مكانة عضو المجلس ومنحه حضورًا مؤثرًا في المشهد الوطني، لتعكس الممارسة التشريعيَّة البرلمانيَّة روحًا تفاعليَّة تواصليَّة تقوم على العمل الجماعي وروح الفريق الواحد، حيث تتكامل الأفكار وتتلاقى الرؤى في سبيل الوصول إلى أفضل الحلول. كما تسهم الخبرات المتراكمة لدى أعضاء المجلس في إثراء النقاشات وتعزيز جودة المخرجات، مما ينعكس إيجابًا على أداء المجلس وقدرته على التعامل مع التحديات واستثمار الفرص.
على أن ما أبرزه اللقاء الإعلامي الأول لمجلس الدولة من إنجازات نوعيَّة في مشروعات القوانين المحالة للمجلس أو المقترحة من المجلس والدراسات التي تقوم بها اللجان الدائمة واللجان الخاصة المشكَّلة بقرار من رئيس المجلس كأحد نواتج الصلاحيَّات التشريعيَّة للمجلس مؤشرات على كفاءة المنتج التشريعي الذي أنتجه المجلس في ظل صلاحياته التشريعيَّة، الأمر الذي عزز بقاء مسار المرونة البرلمانيَّة مفتوحًا وفق مساحات التأطير والتقنين، ومنطلقًا لإعادة قراءة أولويَّات التنمية ومستجداتها والوقوف على اهتمامات المواطنين وأولويات المؤسسات. فإن هذا الاتساع في الاختصاصات والمهنيَّة في الأدوات والموضوعيَّة في المعالجة والتنسيق المشترك مع مجلس الوزراء والتناغم الحاصل بين مجلسي الدولة والشورى في دراسة القضايا المشتركة والتعامل مع نقاط الاختلاف في مشروعات القوانين المحالة من الحكومة، إطار عمل مثرٍ ضمن لهذا الإنجاز الواقعيَّة والاستدامة والتنوع والمساهمة في رفد الحكومة بالتوصيات والمقترحات العمليَّة والإجراءات النافذة في التعامل مع القضايا الاستراتيجيَّة الوطنيَّة، الأمر الذي عزز من توقعات المواطن فيما يمكن أن يقدمه مجلس الدولة من أرصدة نجاح قادمة.
ومن جهة أخرى، تُمثِّل لجان المجلس الدائمة والخاصة محورًا رئيسًا في صناعة القرار، ومنصة حواريَّة تواصليَّة مهمة مع المؤسسات والمجتمع، في إطار ما تقوم به اللجان في دراسة القضايا المختلفة من استضافة لمتخذي القرار والخبراء والمختصين وممثلي مؤسسات المجتمع المدني، بهدف الاستفادة من آرائهم وخبراتهم، والوصول إلى رؤية متكاملة تسهم في تحسين جودة التشريعات، حيث وتجسد هذه الاستضافات أحد أهم جسور التواصل بين المجلس والمجتمع، كما تتيح له الاطلاع المباشر على القضايا المطروحة، وفهم التحديات التي يواجهها المواطنون، وهو ما يعزز من قدرته على اتخاذ قرارات تستجيب للاحتياجات الفعليَّة. كما تؤكد التزام المجلس بنهج المشاركة والانفتاح، وحرصه على بناء شراكات فاعلة مع مختلف فئات المجتمع.
من هنا يُمثِّل اللقاء الإعلامي الأول لمجلس الدولة ترجمة عمليَّة لهذه التوجيهات السامية، حيث يعكس التزام المجلس بتعزيز مبدأ الشراكة مع المجتمع، وتَبنِّي آليَّات أكثر فاعليَّة في التواصل، بما يسهم في توضيح الصورة وتعزيز الوعي العام. كما يؤكد حرصه على تطوير أدائه المؤسسي، وتحسين آليَّات العمل الداخلي، بما يضمن تحقيق أعلى مستويات الكفاءة والجودة، وتعزيز الشفافيَّة وتفعيل قنوات الحوار الداخلي والخارجي بوصفهما عنصرين أساسيين في تطوير العمل المؤسسي، وبناء الثقة وتعزيز الانتماء، وخلق بيئة عمل قائمة على التعاون والتكامل، بما ينعكس إيجابًا على جودة المخرجات، وقدرة المجلس على تحقيق أهدافه بكفاءة عالية.
وانطلاقًا مما سبق، تتعاظم الطموحات نحو حوكمة الحوار المؤسسي المجتمعي والتوسع في منصاته وتعزيز أثره في المنتج التشريعي، وأن يكون هذا اللقاء نافذة إعلاميَّة تواصليَّة يطل من خلالها مجلس الدولة إلى مرحلة جديدة وآفاق رحبة من التعاون والتكامل ورفع مستوى الوعي المجتمعي بأدواره واختصاصاته، وتعظيم دور الثقافة البرلمانيَّة في رسم ملامح التحول القادمة في البناء المؤسسي، وفي الوقت نفسه دور أكبر لمجلس الدولة في حوكمة أدائه المؤسسي، من خلال مراجعة مسارات العمل في الأمانة العامة، وتطوير الهيكلة الداخليَّة، وتعزيز التكامل بين مكونات المجلس، وتَبنِّي سياسات أكثر شفافيَّة ومرونة نحو حوار مؤسسي مستدام ونشط قوامه الاستثمار في الموارد البشريَّة عبر التدريب والتأهيل المستمر، وتعزيز منظومة الحوافز، وتوفير بيئة عمل محفزة تسهم في رفع كفاءة الأداء وتحقيق الاستقرار الوظيفي، كما يكتسب تسريع إنجاز الوصف الوظيفي، ومراجعة اللوائح الداخليَّة، وتحديث أدوات العمل المؤسسي أهميَّة خاصة في هذه المرحلة، بما يضمن استدامة الأداء ورفع جودة المنتج التشريعي وصناعة الأثر وتوليد البدائل والحلول وتوطين الخبرات والنماذج، بما يعزز من قدرة المجلس على مواكبة التحديات المستقبليَّة.
د.رجب بن علي العويسي