الثلاثاء 28 أبريل 2026 م - 10 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : القطاع الخاص شريان رئيسي فـي الاقتصاد الوطني

أضواء كاشفة : القطاع الخاص شريان رئيسي فـي الاقتصاد الوطني
الثلاثاء - 28 أبريل 2026 07:04 ص

ناصر بن سالم اليحمدي

140

يشكِّل القطاع الخاص بمختلف مكوناته ركيزة أساسيَّة في بناء الاقتصادات الوطنيَّة الحديثة.. فهو أحد جناحي الاقتصاد المحلي، فإذا كان القطاع الحكومي جناحًا ماليًّا فإن القطاع الخاص هو الجناح الآخر.. وفي قلب هذا القطاع ينبض شريان حيوي يتمثل في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي باتت تُعد العمود الفقري لأي اقتصاد يسعى إلى التوازن بين الكفاءة الاقتصاديَّة والعدالة الاجتماعيَّة.

إن أهميَّة القطاع الخاص تنبع من قدرته على تحريك عجلة الإنتاج بمرونة وسرعة.. فهو أكثر استعدادًا لتحمل المخاطر، وأكثر قدرة على الابتكار والتكيف مع التحولات التكنولوجيَّة والسوقيَّة.. وفي هذا السياق تبرز المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بوصفها مختبرات حقيقيَّة للأفكار الجديدة، حيث تتلاقى روح المبادرة مع الحاجة إلى البقاء، فتولد حلول خلاقة تسهم في تنويع القاعدة الإنتاجيَّة، وتقليل الاعتماد على القطاعات التقليديَّة.

ومن الناحية الاقتصاديَّة الإنسانيَّة، تؤدي هذه المؤسسات دورًا محوريًّا في إيجاد فرص العمل.. فهي تستوعب نسبة كبيرة من القوى العاملة، حيث تمثِّل الملاذ الأول للشباب الباحثين عن فرصة لإثبات الذات.. كما أنها تسهم في تخفيف الضغط على القطاع الحكومي الذي لم يعد قادرًا على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين.. ولا يقتصر دور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على الجانب الكمي في التوظيف، بل يمتد إلى الجانب النوعي أيضًا.. فهي تسهم في تنمية المهارات، وتعزيز ثقافة العمل الحر، وترسيخ قيم الإنتاجيَّة والمسؤوليَّة.. ومن خلال انتشارها الجغرافي تسهم في تحقيق تنمية متوازنة بين المناطق فتقلص الفجوة بين الحضر والريف، وتحد من الهجرة الداخليَّة التي ترهق المدن الكبرى.

ومؤخرًا تم توقيع برنامج تعاون بين هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة «ريادة» مع عدد من البنوك التجاريَّة برعاية البنك المركزي العُماني، وهو ما يُعد خطوة جديدة ضمن مسار طويل تتبناه سلطنة عُمان لتعزيز دور ريادة الأعمال في الاقتصاد الوطني، وتحويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى أحد المحركات الأساسيَّة للنمو والتنويع الاقتصادي.

وهذا الاتفاق ليس مجرد مبادرة تمويليَّة تقليديَّة، بل يعكس تحولًا في فلسفة التعامل مع قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من كونه قطاعًا داعمًا أو تكميليًّا إلى كونه ركيزة استراتيجيَّة في بنية الاقتصاد الوطني.. فإشراك القطاع المصرفي بشكل مباشر في تصميم منتجات تمويليَّة مخصصة، وتوسيع أدوات الضمان والتمويل المشترك يشير إلى انتقال واضح نحو نموذج أكثر تكاملًا بين الدولة والسوق.

ويأتي التركيز على التمويل في صلب هذا البرنامج باعتباره التحدي الأبرز الذي يواجه رواد الأعمال.. إذ غالبًا ما تصطدم الأفكار الرياديَّة بواقع محدوديَّة الوصول إلى التمويل أو ارتفاع مستوى المخاطر من وجهة نظر المؤسسات المصرفيَّة.. ومن هنا فإن تطوير حلول ماليَّة مرنة وتشاركيَّة بين البنوك وتلك الجهات يمثِّل محاولة لتجاوز هذه الفجوة البنيويَّة عبر تقليل المخاطر وتحفيز الإقراض لهذا القطاع الحيوي.

غير أن الأهميَّة الحقيقيَّة لهذا البرنامج لا تكمن في الجانب المالي وحده، بل تمتد إلى أبعاد أعمق تتعلق بسوق العمل والتنمية الإقليميَّة.. فالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة تمثِّل إحدى الأدوات الأكثر فاعليَّة في إيجاد فرص العمل، خصوصًا لفئة الشباب.. إلى جانب دورها في تعزيز القيمة المحليَّة المضافة التي وصلت إلى (8) مليارات و(677) مليونًا و(400) ألف ريال عُماني خلال الربع الرابع من عام 2025، بالإضافة إلى دورها في توطين بعض الأنشطة الاقتصاديَّة، ونقل المعرفة والخبرة إلى داخل الاقتصاد المحلي.

إن هذا التعاون يعكس توجهًا أوسع نحو بناء اقتصاد قائم على الابتكار والمعرفة، حيث لا يُنظر إلى ريادة الأعمال كخيار فردي، بل كجزء من منظومة اقتصاديَّة متكاملة تتداخل فيها السياسة النقديَّة مع السياسات التنمويَّة، ويشارك فيها القطاع المصرفي بوصفه شريكًا فاعلًا في عمليَّة التنمية وليس مجرد ممول تقليدي.. ويمكن النظر إلى هذا البرنامج باعتباره خطوة إضافيَّة في مسار طويل نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعًا ومرونة يعطي فيه القطاع الخاص، وخصوصًا المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، دورًا متقدمًا في صياغة المستقبل الاقتصادي لسلطنة عُمان ضمن رؤية تقوم على الشراكة والتكامل بين مختلف مكونات المنظومة الاقتصاديَّة.

لا شك أن تنامي القطاع الخاص يعزز من مرونة الاقتصاد في مواجهة الأزمات.. فالتنوع الذي تخلقه هذه المؤسسات يقلل من هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات، سواء كانت ماليَّة أو صحيَّة أو سياسيَّة.. وقد أظهرت تجارب عديدة أن الاقتصادات التي تمتلك قاعدة واسعة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تكون أكثر قدرة على التعافي السريع بعد الأزمات.

إن العلاقة بين القطاع العام والخاص يجب أن تُبنى على التكامل لا التنازع.. فالدولة تضع الإطار العام وتضمن العدالة والاستقرار، بينما يضطلع القطاع الخاص بمهمة الابتكار والإنتاج.. وفي هذا التفاعل الخلاق تجد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة فرصتها للنمو والازدهار لتصبح ليس فقط أدوات اقتصاديَّة، بل أيضًا روافع اجتماعيَّة تسهم في بناء مجتمع أكثر توازنًا واستدامة.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني