الجمعة 01 مايو 2026 م - 13 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : المناطق الاقتصادية.. فرص إنتاج ونمو

الاثنين - 27 أبريل 2026 01:15 م

رأي الوطن

40

يتحول دَوْر المناطق الاقتصاديَّة الخاصَّة والمناطق الحُرَّة في سلطنة عُمان إلى ركيزة إنتاجيَّة تُعِيد تشكيل بنية الاقتصاد الوطني، حيثُ تتَّجه الدَّولة نَحْوَ بناء نموذج اقتصادي قائم على توطين الصناعة وتعظيم القيمة المضافة، مدفوعًا بحزمة من الاستثمارات النوعيَّة التي تشمل قِطاعات استراتيجيَّة مثل بطاريَّات السيَّارات الكهربائيَّة وصناعات الصلب والإسمنت والقِطاع الدوائي، في مسار يعكس انتقالًا واضحًا من اقتصاد يعتمد على الاستيراد إلى اقتصاد ينتج ويصنع، ويُعزِّز القدرة على خلق سلاسل قِيمة محليَّة مترابطة تدعم الاستدامة وتمنح الاقتصاد الوطني مرونةً أكبر في مواجهة المتغيِّرات العالميَّة. ويتجاوز هذا التحوُّل حدود الأرقام ليؤسِّسَ لمرحلة يصبح فيها الإنتاج المحلِّي عنصرًا حاسمًا في صياغة القرار الاقتصادي، وتتحول فيها المصانع من وحدات تشغيليَّة إلى أدوات تأثير تُعِيد توزيع مراكز القوَّة داخل الاقتصاد، وتفتح المجال أمام بناء قاعدة صناعيَّة قادرة على التوسُّع إقليميًّا والدخول في سلاسل الإمداد العالميَّة بثقة، مع تعزيز التكامل بَيْنَ القِطاعات الصناعيَّة والخدميَّة بما يرفع كفاءة التشغيل ويزيد من عُمق السُّوق المحلِّي، ويمنح هذه المناطق دورًا محوريًّا في تحويل الطموحات التنمويَّة إلى واقع إنتاجي ملموس يقاس أثَره في النُّمو والتوظيف والاستقرار الاقتصادي.

ولعلَّ الأرقام تعكس بوضوح عمق التحوُّل الذي تقوده المناطق الاقتصاديَّة والحُرَّة في سلطنة عُمان، حيثُ بلغ إجمالي حجم الاستثمار فيها نَحْوَ (22.4) مليار ريال عُماني بنهاية العام الماضي محققًا نُموًّا بنسبة (6.8) بالمئة، في مؤشِّر يكشف عن ثقة متصاعدة في البيئة الاستثماريَّة. وتأتي الاتفاقيات الجديدة التي تتجاوز قِيمتها (200) مليون ريال عُماني لِتدعمَ هذا المسار وتمنحه زخمًا إضافيًّا، مع توزُّع المشاريع على قِطاعات صناعيَّة حيويَّة تُعزِّز من تنوُّع القاعدة الإنتاجيَّة. كما تظهر الاستثمارات النوعيَّة مثل مشروع قوالب الصلب في الدقم بطاقة إنتاجيَّة تصل إلى (306) آلاف طن سنويًّا في مرحلته الأولى، إلى جانب مشاريع الصناعات المرتبطة بالمَركبات الكهربائيَّة في صلالة، بما يعكس توجُّهًا عمليًّا نَحْوَ الدخول في صناعات المستقبل، وتكشف هذه المؤشِّرات عن منحنى نُمو متصاعد يرتكز على التوسُّع المدروس في القِطاعات ذات القِيمة المضافة العالية، ويؤكِّد أنَّ هذه المناطق أصبحت منصَّة اقتصاديَّة قادرة على تحويل التدفقات الاستثماريَّة إلى طاقة إنتاجيَّة مستدامة تدعم النُّمو وتُعِيد تشكيل موقع عُمان في سلاسل الإمداد الإقليميَّة والدوليَّة.

وتتشكل منظومة المناطق الاقتصاديَّة والحُرَّة كشبكة مترابطة تُعِيد توظيف الجغرافيا في خدمة الاقتصاد، حيثُ تتكامل المنطقة الاقتصاديَّة الخاصَّة بالدقم مع المنطقة الحُرَّة بصلالة ومدينة «خزائن» الاقتصاديَّة ضِمن نموذج يقوم على توزيع الأدوار وتعظيم الكفاءة، فيتحوَّل الموقع الاستراتيجي إلى أداة فاعلة لربط سلاسل الإمداد وتعزيز التدفقات التجاريَّة، وتدعم هذه المنظومة بنية أساسيَّة متطوِّرة وتشريعات مَرِنة وحوافز استثماريَّة ترفع من جاذبيَّة البيئة الاستثماريَّة، وتمنح المستثمِرِين وضوحًا واستقرارًا في اتِّخاذ القرار، كما تُعزِّز سهولة تأسيس المشروعات واستمراريَّة الدَّعم من مرحلة التأسيس إلى التشغيل من كفاءة دَوْرة الاستثمار وتُقلِّل من التحدِّيات التشغيليَّة، وتدفع هذه العوامل مُجتمعةً نَحْوَ بناء بيئة أعمال متكاملة ترفع من قدرة هذه المناطق على استقطاب الاستثمارات النوعيَّة، وتمنح الاقتصاد الوطني عمقًا تشغيليًّا أكبر يُعزِّز من تنافسيَّته ويؤسِّس لِدَوْر إقليمي أكثر تأثيرًا في حركة التجارة والصناعة.

إنَّ المناطق الاقتصاديَّة الخاصَّة والمناطق الحُرَّة ترسم مسارًا تنمويًّا يتجاوز حدود جذب الاستثمارات إلى بناء سيادة اقتصاديَّة قائمة على الإنتاج والمعرفة، حيثُ تُسهم هذه المناطق في تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز المحتوى المحلِّي عَبْرَ توطين الصناعات ونقل التقنيَّات المتقدمة، وتدعم خلق فرص عمل نوعيَّة ترتبط بقِطاعات المستقبل، كما تدفع نَحْوَ توزيع أكثر توازنًا لعوائد التنمية بَيْنَ المحافظات، بما يُعزِّز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ويمنح الاقتصاد الوطني قدرة أعلى على الصمود أمام التقلبات العالميَّة. ويتكامل هذا مع التَّوَجُّه نَحْوَ صناعات مستدامة مثل الطاقة النظيفة والمَركبات الكهربائيَّة، في مشهد يعكس تحوُّلًا استراتيجيًّا يجعل من هذه المناطق منصَّات لإنتاج الفرص وصناعة النُّمو، ويؤكِّد أنَّ الاستثمار في هذه المنظومة يُمثِّل رهانًا طويل المدى على اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على المنافسة وصياغة مستقبل يصنعه الداخل بثقة ويشاركه العالم باحترام.