الاثنين 27 أبريل 2026 م - 9 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

إطار وصورة

إطار وصورة
الأحد - 26 أبريل 2026 07:55 ص

سعود بن علي الحارثي

30


أصبحت أجهزة النقال، أو الهواتف المحمولة الَّتي تصحبنا ونصحبها أينما تحركنا، تقبع في جيوبنا أو في أيدينا، وجزءًا أساسًا من حياتنا، لا تستغني ولا نستغني عنها، تتشابك وتتعقد علاقتنا بها، آخذةً أبعادًا وصوَرًا غير متوقعة، وتؤدي سلسلة من الخدمات والأعمال، فتنجز معاملات، وتيسِّر إجراءات، وتقدِّم تسهيلات، وتحمل ذاكرتها كمًّا هائلًا وبحرًا زاخرًا من المعلومات والبيانات والكتب والدراسات والأبحاث والقواميس والمعاجم والأخبار والصور والمقاطع والأفلام... العامَّة منها والشخصيَّة، فبكبسة زر ـ ينقل هذا الجهاز الصغير ـ الشخوص من غرف نومهم ومكاتبهم ومنازلهم ليتواصلوا في سلسلة من الحوارات مع الآخر في أيِّ مكان من العالم، بالصوت والصورة والكلمة وعَبْرَ عشرات البرامج والقنوات والوسائل والأدوات الحديثة، الَّتي تتسع وتتناسل بشكل يومي، مضيفةً تسهيلات وخدمات وأعمالًا جديدة تُشكِّل طفرات علميَّة ومفاجآت لم تَكُن متوقعة، لقد أخذ الهاتف المحمول الإنسان إلى عوالم وحلَّق به في سماوات الدنيا، ونقله من بيئته الضيقة ومكانه الصغير وحياته البسيطة وثقافته المحدودة وفكره الثابت الَّذي لا يرى غيره صحيحًا ومقدسًا، إلى كونه جزءًا من الثقافة البشريَّة في حواضرها وشعوبها ومُجتمعاتها وبُلدانها ومُدنها، وتطوُّرها وحداثتها وثوراتها العلميَّة ومذاهبها الفكريَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة يحتك بها، يؤثِّر ويتأثر بمنتجاتها ويصبح مستهلكًا لها، يشهد تحوُّلاتها وتبدلاتها السريعة ويمتزج فكره وأفعاله وممارساته بها، يتابع الأخبار والتطورات والأحداث العالميَّة المتسارعة، فيعمق كُلُّ ذلك وعْيَه، ويطوِّر أفكاره، ويُعزِّز أدوات ومناهج تفكيره، ويضعه أمام عشرات الأسئلة والمقارنات والخيارات الَّتي تثقل من جانب آخر مسؤوليَّاته وأعباءه، في استيعاب هذه الطفرات والتحوُّلات التقنيَّة وتمييز غثٍّ وسمين هذا البحر من المعلومات الَّتي يتلقفها، وفهمها وتفنيد الكذب والإشاعة والانتصار إلى وتبنِّي الأصلح والأصوب والأقرب إلى الحقِّ منها، وسحق كُلِّ ما يسعى إلى استهدافه وجعله وسيلة من وسائل الصراع لاستقطابه وتجنيده. لقد أحدثت تقنيَّة المعلومات والهواتف المحمولة وصناعة الإلكترونيَّات الحديثات تحوُّلات عميقة في حياتنا أثَّرتْ على مشاعرنا وعواطفنا وقِيَمنا وثقافتنا وعلى محتوى قراراتنا وصياغة أهدافنا المستقبليَّة ومستوى علاقاتنا مع الآخر. وليس هذا المقال مجالًا لتناولها؛ فقد خصَّصته لتأثير الصورة «الواتسابيَّة» الَّتي وصلتني من رقم مجهول، غير مخزن للأسف في قائمة الأسماء الَّتي تحتفظ بها ذاكرة هاتفي المحمول، وهيجان المشاعر الَّتي حفزتها بداخلي، الصورة تجمعني بعدد من الأصدقاء الَّذين شاركوني مناسبتي البهيجة بعقد قراني في قريتي المضيرب ـ بولاية القابل ـ وقد التقطتْ في منزلنا الريفي قَبل أكثر من أربعة عقود! تأملتُ الصورة بعُمق وظللتُ لدقائق أبحث في ملامح هؤلاء الصَّحب، وأبذلُ جهدي لاستكشافهم والتعرف عليهم واحدًا إثر الآخر. فبعضهم انقطعتْ صلتي بهم منذ سنوات طويلة، واثنان أو ثلاثة فقط ما زلتُ أتواصل معهم بشكل متقطع، أي على فترات أو في لقاءات الصدفة، وتساءلتُ: مَن صاحب الرقم يا ترى، الَّذي بعث بالصورة؟ وهل هو واحد من هؤلاء الأصدقاء أو شخص وقعتِ الصورة في يده؟ وما غايته من ذلك؟ أيكُونُ ابن أحدهم تُوُفِّي والده فوجد الصورة في خزانته ومتعلقاته فظلَّ يبحث عن أصدقاء أبيه ليتعرفَ عليهم، وفاءً وبِرًّا به؟ ساعتها تدفَّق سيل الذكريات الَّتي أعادتني إلى الوراء عقودًا من الزمن، إلى مرحلة الشباب والمدرسة وقائمة الأصدقاء الَّذين ربطتني بهم علاقات حميميَّة وجمعتني وإيَّاهم وشائج عميقة وقاربت بَيْنَنا الأفكار والرؤى وأشياء مشتركة كثيرة، نلتقي صباحًا ومساء، ولا يطيق أحدنا فراق الآخر لأكثر من يوم واحد، نتحاور ونتناقش في قضايا وملفات مختلفة، نتفسح في شوارع ومناطق محافظة مسقط ونتنقل بَيْنَ معالمها ومطاعمها ومقاهيها، ننسق في كُلِّ ما يتعلق بحياتنا الخاصَّة ونتبادل الهدايا ونفكر في المستقبل. نعيش وكأنَّ الدنيا في أيدينا نديرها ونحركها كيفما نشاء، لا يَدُور بخلدنا أن نفترق عن بعضنا بعضًا، أو أنَّ صداقتنا يُمكِن أن تضعف وتبقى ملمحًا من الماضي، وأن يأتي يوم يدير كُلُّ واحد منَّا ظهره للآخر، فتمضي الأشهر والسنون الطوال دون أن نلتقيَ أو نتواصل، أين هؤلاء الأصدقاء اليوم؟ ماذا فعل بهم الزمن؟ أين يعملون وكيف يشغلون وقتهم؟ هل ما زالوا أحياء جميعهم؟ أم منهم مَن صرعه الموت وفارق حياتنا؟ يا لغرابة هذه الحياة وتحوُّلاتها، كيف تعصفنا عصفًا وتبدل أوضاعنا من حال إلى حال، وتضعنا أمام مفترقات طُرق لا نحسب لها حسابًا، وتقودنا أحداثها إلى مسالك معاكسة لِمَا نأمل ونتوقع، وتستبدل شخوصًا مقرَّبِين منَّا جدًّا بآخرين غيرهم، فيصبحون هم الأقرب منزلة والأكثر نفعًا والأجدى علاقة ويتحول المشترك والمصلحة ومشاعر الحميميَّة بصحبتهم. دروس وتجارب وخبرات تهدينا إيَّاها الحياة وتحوُّلاتها الغنيَّة الخصبة، والاستفادة منها واستلهامها أمرٌ مهمٌّ للإنسان لِيعمقَ وعْيَه، ويُعزِّز فهمه، ويُمكِّن نفْسه من التعامل مع أحداثها ومفاجآتها وظروفها الكثيرة. لماذا لا أبادر إلى البحث عن هؤلاء الصحب الَّذين تجمعني بهم هذه الصورة والسؤال عنهم والتعرف على أوضاعهم وأحوالهم وعناوينهم وبث حرارة الصداقة من جديد، ومحاولة تنظيم لقاءات دَوْريَّة معهم، والمفتاح هذا الرقم المجهول الَّذي بعث لي بالصورة فبثّ كُلَّ هذه الذكريات والتساؤلات... نعم هي فكره طيِّبة فيها وفاء وبِر وشعور صادق وراحة وطمأنينة، وقد شرعت فعلًا في تنفيذ ما عزمتُ عليه، وبدأت المعلومات تتدفق تباعًا حَوْلَ هؤلاء الصَّحب وتفاصيل حياتهم، وقريبًا سوف ألتقي بمَن بقي منهم على قيد الحياة لِنستعيدَ سنوات الماضي بذكرياته الجميلة ونجدِّد أواصر الصداقة وروابط الصحبة.

سعود بن علي الحارثي

[email protected]