الجمعة 15 مايو 2026 م - 27 ذو القعدة 1447 هـ

نبض المجتمع : عودة للماضي

نبض المجتمع : عودة للماضي
الأحد - 26 أبريل 2026 07:46 ص

د. خصيب بن عبدالله القريني

20


تُمثِّل الذكريات جزءًا مهمًّا من ذاكرتنا الحياتيَّة، وبدونها لا يُمكِن تصوُّر معنى للحياة بصورة عامَّة، فهي بمثابة الأرشيف الَّذي نتكئ عليه عندما تتعبنا مشاغل الحياة. ورغم أنَّ الذكريات في العادة هي الماضي الَّذي عشناه بحلوِه ومرِّه، إلَّا أنَّ هذا الماضي يُمثِّل دروسًا لنا لمواجهة الحاضر والتطلع للمستقبل. والذكريات ليست مجرَّد خيال نسترجعه ونمضي، وحتَّى وإن كان كذلك فهو يُمثِّل شعورًا ينعكس بلا شك على توجُّهاتنا وأهدافنا، ويُمثِّل سجلًّا ننطلق من خلال تذكر مراحله إلى فهمٍ أعمق لمعنى الحياة.

وعندما أتحدث عن الذكريات فأنا هنا أقصد تلك المرتبطة بحياة الشخص الخاصة، فأيَّام الصغر والأصدقاء واللعب والدراسة وغيرها من الجوانب تظل ذكريات لا يُمكِن الفكاك منها. ومن الجوانب الجميلة المرتبطة بالذكريات جانب الصداقة، فلو كُلُّ واحد منَّا استعاد شريط ذكرياته قليلًا، وبحث في ألبوم صوَره سيجد أنَّ الكثير من الأشخاص مروا عليه في مراحل مختلفة من سنوات عمره وحدث بَيْنَه وبَيْنَهم تواصل ولقاءات، وفي غمضة عين لم يَعُدْ يراهم أو يتواصل معهم، بل ولا يعرف متى كان لقاؤهم الأخير آخر مرَّة. وهنالك أشخاص لا يُمكِن مجرَّد تخيُّل أنَّهم مروا في حياتك أصلًا، حتَّى أنَّك عندما تتصفح ألبوم صوَر خاص بك تتفاجأ بصورة أحدهم ولا تعرف حتَّى اسمه وهو قد شارك معك في رحلة ما في فترة من عمرك، ولا أتحدث هنا عن الأشخاص العابرين الَّذين لم تلتقِ بهم إلَّا مرَّة واحد، بل أشخاص يعيشون في نفْس محيطك المكاني. إنَّ اكتشاف هذه الذكريات واستذكارها ومحاولة استعادتها من جديد مع أولئك الأشخاص يُمثِّل في الواقع تجربة جميلة يُمكِن الانطلاق منها لحياة وعلاقة جديدة. فقد تكُونُ الظروف الحياتيَّة حالت دون استمرارها في فترة معيَّنة، وهنا يكمن الأمر في عمليَّة الاستعادة مع تحديد معايير معيَّنة قد تكُونُ أهمها التوافق الفكري والاجتماعي بَيْنَ الطرفين، ومدى الرغبة في العودة لإحياء هذه العلاقة، فلا يُمكِننا واقعيًّا ترك كثير من الذكريات المرتبطة بأشخاص مروا في حياتك كما هي دون محاولة استعادة لها.

ولعلَّ أبرز أشكال استعادة هذه الذكريات حاليًّا هي تكوين مجموعة «واتساب» في البداية ثم الانطلاق منه للقاء مباشر يجمع هؤلاء الأصدقاء المشتركين في تلك الذكريات، وتطوير هذه اللقاءات بحيثُ نضمن استمراريَّتها وديمومتها، فلا يُمكِن اختزال هذه السنوات في مجرَّد وجود هذه الذكريات في خيال كُلِّ واحد منها، بل تتطلب ترجمة حقيقيَّة تعتمد على الإرادة الحقيقيَّة لكُلِّ شخص من المجموعة.

لقد عملت برامج التواصل الاجتماعي على لملمة شتات هذه الذكريات وترجمتها واقعيًّا في هذا المجال، بل إنَّ الأمر لم يقتصر على لمِّ شملِ شتات ذكريات لحيِّز مكاني ضيق قد يكُونُ على مستوى دولة، بل يتعدى ذلك إلى القدرة على التواصل مع أشخاص في دول أخرى لم يبقَ لهم سوى خيال الذكريات، فاستطاعت إعادة الذكريات إلى الواقع الحقيقي والأمثلة كثيرة ومتنوعة.

إنَّ محاولة العودة إلى الذكريات واستعادة شخوصها طبيعة بشريَّة يصل لها الإنسان في مرحلة متقدمة في العادة من عمره، عندما يكُونُ قد مر وتفاعل مع مجموعات كبيرة من البشر، ورغم قدرته على التعامل والتفاعل معهم، إلَّا أنَّه يظل حبيس تلك الذكريات مع أولئك الَّذين بدأ معهم حياته، وخصوصًا أولئك الَّذين عاشوا معه فترة الدراسة الأولى وعاشوا معه مراحل وفترات المراهقة، وحتَّى عندما يتقاعد من عمله يعود لهم مجددًا ويبدأوا مرحلة جديدة قائمة على ذكريات المرحلة الأولى من أعمارهم رغم وجود فاصل زمني كبير لم يكُونُوا على تواصل فيه، ولكن تبقى الذكريات وعمليَّة استعادتها هي الفيصل الحقيقي لكُلِّ ذلك.

د. خصيب بن عبدالله القريني

[email protected]