الأحد 26 أبريل 2026 م - 8 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : قطاع اقتصادي يصنع الاستدامة

الأحد - 26 أبريل 2026 02:41 م

رأي الوطن

20


يتقدم قِطاع السياحة في سلطنة عُمان ليؤكِّدَ موقعه كأحد المحركات الرئيسة للنُّمو الاقتصادي، مدعومًا بمؤشِّرات رقميَّة تعكس تصاعد مساهمته في الناتج المحلِّي الإجمالي، حيثُ تجاوز الناتج المباشر حاجز المليار ريال عُماني مسجلًا نَحْوَ مليار و(135) مليون ريال بنهاية عام 2025، مع تحقيق نُمو متواصل مقارنةً بالعام السابق، في مشهدٍ يكشف عن تحوُّل نوعي في طبيعة هذا القِطاع من نشاط خدمي تقليدي إلى رافد إنتاجي يخلق قيمة مضافة حقيقيَّة داخل الاقتصاد الوطني، ويُعزِّز مسار التنويع الاقتصادي عَبْرَ توسيع قاعدة الإيرادات غير النفطيَّة. كما يعكس هذا الأداء قدرة القِطاع على التكيُّف مع المتغيِّرات العالميَّة واستثمار المقوِّمات الطبيعيَّة والموقع الجغرافي والبنية الأساسيَّة المتطورة، بما يمنحه دَوْرًا متقدمًا في بناء اقتصاد أكثر توازنًا واستدامة، ويضعه في قلب المعادلة التنمويَّة الَّتي تستهدفها رؤية «عُمان 2040»، خصوصًا مع اتِّساع تأثيره لِيشملَ قِطاعات متعددة ترتبط به بشكل مباشر وغير مباشر، وتستفيد من نُموِّه في خلق فرص اقتصاديَّة جديدة تُعزِّز من استقرار السُّوق وتدعم مسارات النُّمو طويل الأجل.

تتجسد القوَّة الحقيقيَّة لهذا القِطاع في قدرته على تحريك سلاسل قيمة اقتصاديَّة متكاملة تتجاوز حدود النشاط السياحي المباشر، حيثُ تعكس معدَّلات النُّمو المسجَّلة في خدمات الإقامة بنسبة (17) بالمئة لِتصلَ إلى (252.1) مليون ريال عُماني، والخدمات الأخرى بنسبة (18) بالمئة لِتبلغَ (197.9) مليون ريال عُماني، إلى جانب نُمو خدمات المطاعم بنسبة (3.5) بالمئة عند (198.9) مليون ريال عُماني، وارتفاع خدمات النقل بنسبة (1.1) بالمئة إلى (196.5) مليون ريال عُماني، تعكس صورة واضحة لاقتصاد مترابط تتحرك مُكوِّناته بتناغم مدفوعًا بالطلب السياحي، وهو ما يعكس دَوْر السياحة كمنصَّة تشغيل واسعة تخلق فرصًا حقيقيَّة للمؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة، وتدعم قِطاعات الخدمات اللوجستيَّة والتجاريَّة، وتمنح السُّوق المحلِّي ديناميكيَّة أعلى تقوم على تعدُّد مصادر الطلب وتنوُّع مجالات الاستثمار، في مشهدٍ يؤكِّد أنَّ كُلَّ نشاط سياحي لا يقف عند حدوده المباشرة، وإنَّما يمتدُّ أثَره لِيغذيَ قِطاعات متعدِّدة، ويُعيد توزيع العوائد الاقتصاديَّة داخل السُّوق بشكل يُعزِّز من كفاءته واستقراره.

ولعلَّ ارتفاع الاستهلاك السياحي إلى نَحْوِ مليار و(177) مليون ريال عُماني بنهاية عام 2025، وبنسبة نُمو بلغت (11.6) بالمئة، يعكس تحوُّلًا مهمًّا في بنية الطلب داخل الاقتصاد الوطني، حيثُ يُشير هذا النُّمو إلى زيادة واضحة في حجم الإنفاق المرتبط بالأنشطة السياحيَّة، وهو ما يترجم عمليًّا إلى ضخ سيولة مباشرة في مختلف مفاصل الاقتصاد، ويُعزِّز من حركة الأسواق ويرفع معدَّلات دَوْران رأس المال. كما يتكامل هذا المؤشِّر مع بلوغ إجمالي الإنتاج السياحي نَحْوَ ملياريْنِ و(284) مليون ريال عُماني محققًا نُموًّا بنسبة (7.8) بالمئة، في صورةٍ تعكس اتِّساع قاعدة النشاط الاقتصادي المرتبط بالسياحة، ويؤكِّد هذا الأداء قدرة القِطاع على تحفيز الطلب الداخلي وتوليد فرص نُمو متواصلة، بما يدعم استقرار السُّوق ويمنح القِطاعات المرتبطة به مساحة أكبر للتوسع، ويُعزِّز من دَوْر السياحة كأداة فعَّالة في تحقيق تنمية اقتصاديَّة مستدامة تقوم على تنشيط الاستهلاك وتحفيز الإنتاج في آنٍ واحد.

إنَّ قراءة المشهد السياحي في مجمله تكشف عن أبعاد أعمق تتجاوز معدَّلات النُّمو إلى تحليل طبيعة التحوُّلات الهيكليَّة داخل القِطاع، حيثُ يظهر تراجع نشاط وكالات السفر والحجز بنسبة (12.2) بالمئة لِيبلغَ (242.7) مليون ريال عُماني، في مقابل النُّمو الملحوظ في باقي الأنشطة، وهو ما يعكس تغيُّرًا في أنماط الطلب واتِّجاهًا متزايدًا نَحْوَ الحلول الرقميَّة ومنصَّات الحجز المباشر، ويطرح في الوقت ذاته فرصة لإعادة تشكيل نماذج الأعمال التقليديَّة بما يتواكب مع متغيِّرات السُّوق، ويُعزِّز من كفاءة توزيع الأنشطة السياحيَّة جغرافيًّا، بما يدعم دَوْر هذا القِطاع في تحقيق اللامركزيَّة الاقتصاديَّة عَبْرَ توسيع نطاق الاستفادة من العوائد السياحيَّة لِتشملَ مختلف المحافظات، ويدفع نَحْوَ تنمية محليَّة أكثر توازنًا تقوم على استثمار الخصائص الطبيعيَّة والثقافيَّة لكُلِّ منطقة، في سياق يرتبط بشكل مباشر بمستهدفات رؤية «عُمان 2040» الَّتي تسعى إلى تعزيز تنافسيَّة القِطاعات الاقتصاديَّة ورفع كفاءتها، بما يرسِّخ مكانة السياحة كأحد الأعمدة الرئيسة في بناء اقتصاد مستدام قادر على الاستمرار والتوسُّع في بيئة عالميَّة سريعة التغيُّر.