الأحد 26 أبريل 2026 م - 8 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : دوائر الموارد البشرية بالمؤسسات على المحك

في العمق : دوائر الموارد البشرية بالمؤسسات على المحك
السبت - 25 أبريل 2026 01:33 م

د.رجب بن علي العويسي

10

ينطلق طرحنا لهذا الموضوع من فرضيَّة تعاظم الدَّوْر المحوري لدوائر الموارد البشريَّة في المؤسَّسات في ظلِّ المعطيات الوطنيَّة المرتبطة بالحوكمة، والنَّزاهة والإنتاجيَّة، وتعزيز كفاءة الأداء المؤسَّسي والفردي، الأمر الَّذي يفرض إعادة النظر في موقعها ووظيفتها وأدواتها. ومن هنا يأتي التساؤل الرئيس: لماذا يتأكد اليوم ضرورة تبعيَّة دوائر الموارد البشريَّة لرؤساء الوحدات، وفصلها عن الشؤون الإداريَّة والماليَّة داخل المؤسَّسات؟

في ظلِّ تزايد المتغيِّرات والتحدِّيات، واتِّساع وتنوُّع طموحات المُجتمع الوظيفي، وتسارع التحوُّل المؤسَّسي، تتعاظم الحاجة إلى مراجعات جادَّة وعمليَّة في منظومة الموارد البشريَّة، تبدأ بإعادة إنتاجها وضبط تموضعها في الهيكل التنظيمي، بما يَضْمن استقلاليَّة قرارها وقوَّة تأثيرها وتجنيبها كُلَّ عوامل الشخصنة والازدواجيَّة والاجتهاديَّة. ويمتدُّ الأمر إلى إعادة بناء فلسفة عملها ومساراتها الإداريَّة والتنظيميَّة والتقييميَّة والتوجيهيَّة، واختيار كفاءات نوعيَّة تمتلك أدوات القيادة الاستراتيجيَّة القادرة على هندسة المورد البشري وتوجيهه نَحْوَ تحقيق معادلة التوازن بَيْنَ كفاءة الأداء واحتواء المورد البشري (الإنسان). كما يشمل ذلك تَبنِّي استراتيجيَّات واضحة ومنهجيَّات حديثة تؤصِّل لمفهوم أنسنة الموارد البشريَّة، وتُعزِّز إدارة المشاعر، وبناء القدرات وصناعة القدوات والنماذج، بما ينقل هذه الدوائر من نمطها التكراري الروتيني إلى دَوْر استراتيجي مُلهِم وفاعل يصنع القِيمة ويَقُود التغيير.

إنَّ قراءة متأنية لأدوار دوائر الموارد البشريَّة في ظلِّ المعطيات المرتبطة بإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدَّولة، ومنظومة تقييم الأداء الفردي والمؤسَّسي «إجادة»، ومتطلبات تحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040» ذات العلاقة بالحوكمة والاستدامة، وقانون الوظيفة العامَّة، تُمثِّل محطَّات ومرتكزات تضع دوائر الموارد البشريَّة أمام تحوُّلات نوعيَّة في مَسيرة عملها القادمة؛ تحوُّلات تتطلب انتقالها من الأداء التقليدي والممارسة الروتينيَّة والإدارة القائمة على الذاتيَّة والشخصنة إلى دَوْر مؤسَّسي نوعي واستباقي، قائم على الرؤية الاستراتيجيَّة والأداء الفعَّال، وتعظيم الشراكات النوعيَّة، وتفعيل الاختصاصات المنصوص عليها في القوانين ذات الصِّلة، الأمر الَّذي يَضْمن الارتقاء بمنتج الموارد البشريَّة والسياسات التطويريَّة والتأهيليَّة والتحفيزيَّة، وتعظيم أثرها، من حيثُ العُمق والجودة والمهنيَّة والاحتواء والريادة والابتكار، وتعظيم الحوافز، وإعادة هندسة الممارسة بما ينسجم مع متطلبات المُجتمع الوظيفي، ويعكس ثقته فيها، ويُعزِّز من إسهامها الإيجابي في الاحتفاظ بالكفاءة الوطنيَّة وتدويرها في المؤسَّسات، وإعادة رسم ملامح الانتماء المؤسَّسي فيها، وقدرتها على تحقيق العدالة والمهنيَّة ودعم القرار المؤسَّسي، السَّاعي إلى تأكيد حقوق الموظف والدِّفاع عنها، واتِّخاذ كُلِّ ما من شأنه الحفاظ عليها، أخذًا بروح القانون وإنسانيَّته، والتوسُّع في تقديم البدائل والخيارات المنتجة الَّتي تتيح لها صناعة الأثر، وتقديم منتج نوعي ضامن لاستدامة الجاهزيَّة المؤسَّسيَّة في الارتقاء بالمورد البشري. إنَّ اتِّساع الحساسيَّة الناتجة عن طبيعة عمل دوائر الموارد البشريَّة، ذات العلاقة بالتأهيل والتدريب وبرامج الدراسات العُليا، وكذلك بكُلِّ ما له علاقة بالنُّمو المهني والوظيفي للموظف والترقيات والتظلُّمات وغيرها، باتَ يضع الموارد البشريَّة باعتبارها القوَّة النَّاعمة في المؤسَّسات، وهي الركيزة الأساسيَّة في إدارة محور الإنسان؛ بمعنى أنَّ ما يصدر من قرارات أو غيرها باتَ يُنظر إليه بأهميَّة كبيرة في المُجتمع الوظيفي بالمؤسَّسة. وكُلَّما كانت هذه القرارات والتوجُّهات لصالح المُجتمع الوظيفي، محقِّقةً للعدالة، واضعةً تكافؤ الفرص للجميع في أولويَّة العمل، ومنطلقةً من مبادئ الشفافيَّة والعدالة والوضوح والمهنيَّة والثقة والصراحة والمكاشفة، استطاعت أن تصنع الابتسامة، وتَبْني الولاء، وتعظِّم من شأن المورد البشري، وتحفظ حقوق الموظف لِيجدَ فيها طريق القوَّة ومنهج العمل والشراكة، الأمر الَّذي سينقل المؤسَّسة إلى مرحلة متقدِّمة يشعر فيها الجميع بأنَّه يعيش في مُجتمع وظيفي يحترم الموارد، ويقدر الإنجاز، ويحتفظ به. وعندها تتجلى في المؤسَّسة منارات القوَّة ومساحات الوعي، وتبرز قِيمة المواطنة والهُوِيَّة الوظيفيَّة، وتتجسد قِيمة التشريع والإجراءات وضبط الممارسة والضبطيَّة القِيَميَّة لصالح بناء الإنسان. إنَّ ما يحصل اليوم في بعض دوائر الموارد البشريَّة لا يتعدى الحدَّ الأدنى من ممارسة المهام الروتينيَّة، دُونَ البحث عن فلسفة عمل جديدة وإدارة متجدِّدة تأخذ بأفضل الأساليب وأنضج الممارسات، وتقرأ في المورد البشري طريق القوَّة؛ لذلك كانت النتائج المترتبة على هذه السطحيَّة وغياب الإدارة الفاعلة، وتغييب فلسفة العمل القائمة على الاحتواء والمبادرة وصناعة الفرص، واقتصارها على الردود المقتضبة عند المطالبة بالحقوق، أو التظلُّمات أو الترقيات، كأن يُقال إنَّ القانون لا يسمح أو إنَّ الموازنات لا تسمح؛ لِتظهرَ النتائج صادمة في مُجتمع وظيفي يجد في هذه الدوائر حجر عثرة أمام تقدُّمه، وعقدة تمنعه من الاستمراريَّة والابتكار في الإنجاز. ناهيك عمَّا باتَ يدخل في هذه الدوائر، في ظلِّ غيابها عن القيادة المؤسَّسيَّة، من ترهلات ومحسوبيَّة وتدخُّلات وتأثيرات أضاعت الحقوق وأثَّرتْ على رضا المُجتمع الوظيفي، وهو أمر لا يُحقِّق مرتكزات الحوكمة ولا التحوُّل المؤسَّسي الَّذي يَجِبُ أن يُبنى في إطار وطني مؤسَّسي واضح المعالم ومحدَّد الخطوات، ممنهج يستفيد من التحوُّلات الحاصلة في الفكر الإداري والاستراتيجي المعاصر لضمانِ صناعة العقل الاستراتيجي.

وبالتَّالي، فإنَّ غياب الدَّوْر الاستراتيجي لهذه الدوائر، وإسنادها إلى أشخاص غير ذوي قدرة ـ أحيانًا ـ على امتلاك أدوات القوَّة والمهنيَّة الَّتي تجمع بَيْنَ القِيَم والأخلاق والمسؤوليَّة والعِلم بالقانون وفهمِ الأدوات والبصيرة والحكمة في إدارة الملفات، إلى جانب امتلاك روح الإنسانيَّة والثقة في الآخر، وصِفات الكرم والإيثار والقدرة على اتِّخاذ القرار، والإخلاص والعمل الجادِّ والابتكار والتجديد والسَّعي المستمر نَحْوَ تقديم كُلِّ ما من شأنه تعظيم المورد البشري وترقيته واحتواؤه، كُلُّ ذلك يضع دوائر الموارد البشريَّة على المحك، ويستدعي مزيدًا من التأطير والفهمِ العميق والقراءة الاستراتيجيَّة، وصناعة الفرص وإنتاج الحلول، والإدارة الذكيَّة للمورد البشري الَّتي تجمع بَيْنَ الذَّكاء الإداري والوجداني والعاطفي في امتصاص الصدمات والحدِّ من مسبِّبات القلق، لِتصبحَ إدارة المشاعر والصحَّة النفسيَّة وبناء القدرات وتعظيم الأثر والاحتواء والعدالة خيار قوَّة في عمل هذه الدوائر، وليس خيارًا قائمًا على الذاتيَّة والمزاجيَّة والوقتيَّة.

إنَّ التأكيد على تبعيَّة دوائر الموارد البشريَّة مباشرة لرئيس الوحدة ليس حالة مزاجيَّة، بل ضرورة استراتيجيَّة تفرضها طبيعة الدَّوْر الحسَّاس الَّذي تَقُوم به هذه الدوائر. فهذه التبعيَّة تمنح الموارد البشريَّة قوَّة القرار واستقلاليَّته، وتحدُّ من تضارب المصالح والتدخلات الَّتي قد تنتج عن تعدُّد مستويات الإشراف، كما تُعزِّز من قدرتها على ممارسة دَوْرها الرّقابي والتقييمي بمهنيَّة وحياديَّة.

كما أنَّ ارتباطها المباشر برئيس الوحدة يُسهم في تسريع اتِّخاذ القرار، ورفع كفاءة الاستجابة للتحدِّيات الوظيفيَّة، ويمنحها مساحة أوسع للتأثير في رسم السياسات المؤسَّسيَّة المرتبطة بالإنسان. كما أنَّ قرب هذه الدوائر من متَّخذ القرار الأوَّل يمنحها قدرة أكبر على التأثير في السياسات الاستراتيجيَّة، وربط خطط الموارد البشريَّة بالأولويَّات الوطنيَّة والمؤسَّسيَّة، بما يَضْمن سرعة الاستجابة، ودقَّة المعالجة، وجودة المخرجات، وتحقيق التوازن بَيْنَ مصلحة المؤسَّسة وحقوق الموظف. فإنَّ هذا الارتباط يُعزِّز من حضور دوائر الموارد البشريَّة كشريك استراتيجي في صناعة القرار، وليس مجرَّد دائرة تنفيذيَّة، الأمر الَّذي ينعكس إيجابًا على جودة مخرجاتها، ويزيد من ثقة المُجتمع الوظيفي بها، ويَضْمن مواءمة قراراتها مع التوجُّهات العُليا للمؤسَّسة، بما يُحقِّق العدالة والشفافيَّة ويحدُّ من البيروقراطيَّة والتأخير.

وعليه، فإنَّ هذه التبعيَّة تُمثِّل مدخلًا حقيقيًّا لإعادة الاعتبار لِدَوْر الموارد البشريَّة، وتمكينها من قيادة التحوُّل في بيئة العمل، وتحقيق التكامل بَيْنَ السياسات والتطبيق، بما يخدم أهداف المؤسَّسة ويُعزِّز استدامة أدائها. ومعنى ذلك أن تمهدَ سياسات إدارة المورد البشري لمرحلة متقدِّمة في تجسيد التحوُّل المؤسَّسي والتحوُّل الرَّقمي في منظومة الموارد البشريَّة وفْقَ مسارات واضحة للتقييم والتشخيص والرصد المهني المعتمد على المعايير والمؤشِّرات وكفاءة الأدوات، وليس المزاجيَّة والفئويَّة والسلطويَّة، وفْقَ أنظمة ولوائح وتشريعات محدَّدة تتَّسم بالعدالة والمعياريَّة، بحيثُ تُشكِّل مرجعيَّة وطنيَّة مهمَّة لعملِ دوائر الموارد البشريَّة على مختلف وظائفها ومجالات عملها واختصاصاتها. هذا الأمر هو ما تفتقده المؤسَّسات في تعاملها مع المورد البشري ومعالجة التحدِّيات الَّتي تعترضها في هذا الجانب؛ لذلك نجد البون الشاسع بَيْنَ المؤسَّسات في عمليَّة التفكير والتصور والعلاج لمحور الموارد البشريَّة، ممَّا شكَّل مجالًا رحبًا للاختلاف في الأدوات والوسائل وأساليب العمل، ونوعيَّة التشريعات ومنظومة الحوافز والرعاية للموظف.

أخيرًا، تبقى إعادة هيكلة دوائر الموارد البشريَّة وضبط مساراتها ومدخلاتها وعمليَّاتها وتمكينها من التحوُّل المؤسَّسي والرَّقمي ضرورة وطنيَّة في تحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040» الَّتي وضعت الإنسان العُماني أولويَّة؛ باعتباره صانع التحوُّل ومحوره؛ فتعزيز كفاءة المُجتمع الوظيفي، وبناء قدراته، وتحقيق رضاه واستقراره المهني أولويَّة يَجِبُ أن تُدرك للمحافظة على الإنتاجيَّة والكفاءة، بل ضرورة وطنيَّة تفرضها تحدِّيات التنافسيَّة العالميَّة ومتطلبات الاقتصاد المعرفي. ومن هنا، فإنَّ تمكين دوائر الموارد البشريَّة، وإعادة تركيزها في عُمق القرار المؤسَّسي، يُمثِّل خطوة نوعيَّة في استثمار هذه القوَّة الناعمة، وتعظيم أثَرها في رفع الإنتاجيَّة، وتعزيز الانتماء، وترسيخ ثقافة الأداء والابتكار، بما يُحقق التكامل بَيْنَ السياسات الوطنيَّة والتطبيق المؤسَّسي، ويجعل من بيئة العمل نموذجًا فاعلًا في إدارة الإنسان وبناء مستقبله... فهل ستؤدي جهود المراجعة المفترضة إلى التعجيل في تحقيق ذلك؟ هذا ما نرجوه شخصيًّا.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]