شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحوُّلًا جذريًّا في المجال الإعلامي نتيجة التطوُّر الهائل في تكنولوجيا الاتصال، حيثُ أصبحت الصحافة الإلكترونيَّة المصدر الأساس للمعلومات لدى شريحة واسعة من الجمهور. وقد أتاح هذا التحوُّل سرعةً في نقل الأخبار وتنوُّعًا في مصادرها، إلَّا أنَّه في المقابل أفرز تحدِّيات جديدة، من أبرزها ظاهرة الحاجة للرقابة على المحتوى الإعلامي الرَّقمي. لم تَعُدِ الرقابة مقتصرة على جهة مركزيَّة واحدة، ولم تقتصر على الأساليب التقليديَّة مثل المنع والمصادرة، بل أصبحت أكثر تعقيدًا وتشابكًا مع البنية التقنيَّة للإنترنت، ممَّا جعلها موضوعًا محوريًّا في الدراسات الإعلاميَّة الحديثة، خصوصًا في ظلِّ التغيُّرات المتسارعة الَّتي يشهدها الفضاء الرَّقمي.
يُمكِن تعريف الرقابة في الصحافة الإلكترونيَّة بأنَّها مجموعة من الإجراءات والتقنيَّات الَّتي تُستخدم للتحكم في المحتوى الإعلامي المنشور عَبْرَ الإنترنت، سواء من خلال منعه أو تعديله أو توجيهه أو الحدِّ من انتشاره. وتختلف هذه الرقابة عن الرقابة التقليديَّة في كونها غير مرئيَّة في كثير من الأحيان، وتعتمد بشكلٍ كبير على أدوات رقميَّة وخوارزميَّات ذكيَّة، كما أنَّها لا تقتصر على جهة واحدة، بل تشمل الدَّولة والشركات المالكة للمنصَّات الرقميَّة وحتَّى المؤسَّسات الإعلاميَّة نفْسها، والجهات التربويَّة، كالمؤسَّسات التعليميَّة، وأولياء أمور الأبناء والَّذين يوظِّفون الأدوات التقنيَّة للرقابة على المواد الإعلاميَّة الَّتي يطَّلع عليها أبناؤهم لحمايتهم من المواد الإعلاميَّة غير المرغوبة والمؤثِّرة سلبًا على الأبناء.
وتتَّخذ الرقابة في البيئة الرقميَّة عدَّة أشكال متداخلة، من أبرزها الرقابة المركزيَّة الَّتي تتمثل في حجبِ المواقع الإلكترونيَّة المضلِّلة وغير المهنيَّة أو فرض ضوابط قانونيَّة على المحتوى الإعلامي أو تنظيم عمل الصحافة الرقميَّة عَبْرَ تراخيص وتشريعات خاصَّة. كما توجد الرقابة الخوارزميَّة الَّتي تمارسها منصَّات التواصُل الاجتماعي، حيثُ تتحكم خوارزميَّات الذَّكاء الاصطناعي في مدى وصول الأخبار وانتشارها، وقد تَقُوم بإخفاء أو تقليل ظهور بعض المحتويات دُونَ حذفها بشكلٍ مباشر.
إلى جانب ذلك، يُمكِننا اعتبار تدخُّلات المموِّلين للحسابات الإلكترونيَّة نوعًا من أنواع الرقابة الاقتصاديَّة الَّتي ترتبط بتأثير الإعلانات والتمويل على استقلاليَّة المؤسَّسات الإعلاميَّة وحياديَّتها المهنيَّة، فقد تؤدي الضغوط الماليَّة إلى توجيه المحتوى بما يتوافق مع مصالح المموِّلين. كما برزتِ الرقابة الذاتيَّة كظاهرة مهمَّة، حيثُ يَقُوم الصحفيون أو المؤسَّسات الإعلاميَّة بتجنُّب نشر بعض المواضيع الحسَّاسة وفْقَ معايير معيَّنة تضعها المؤسَّسة. وأخيرًا توجد الرقابة التقنيَّة الَّتي تعتمد على أدوات مثل جدران الحماية وبرامج الفلترة وأنظمة المراقبة الرقميَّة الَّتي تتبع نشاط المستخدمين والمحتوى المنشور.
في ظلِّ التطور التكنولوجي المتسارع، تنوَّعتِ الأدوات التقنيَّة الَّتي تساعد على الرقابة، خصوصًا في ظلِّ انتشار الأخبار الزائفة والحاجة لمكافحة التضليل الإعلامي، وظهور مواقع تتعارض في محتواها مع ثوابت الأخلاقيَّات الإنسانيَّة. من أبرز هذه الأدوات استخدام الذَّكاء الاصطناعي في تحليل المحتوى ومراقبته بشكلٍ آلي؛ بهدف حماية المُجتمع من المعلومات الخاطئة أو الأخبار الزائفة، وتعزيز ثقة الجمهور في المعلومات والأخبار الَّتي تقدِّمها الصحافة.
إلَّا أنَّ الطبيعة العالميَّة للإنترنت تجعل من الصَّعب فرض رقابة شاملة، حيثُ يُمكِن للمحتوى أن يتجاوز الحدود الجغرافيَّة بسهولة. كما أنَّ الفجوة بَيْنَ التشريعات القانونيَّة والتطور التقني السريع تزيد من تعقيد إدارة الفضاء الإعلامي الرَّقمي.
وعمومًا فإنَّ الرقابة على المحتوى الإعلامي للصحافة يواجه تحدِّيات مستمرَّة بسبب التطوُّر التقني الَّذي يُعزِّز سرعة إصدار المعلومة وسرعة انتشارها. ولمواجهة تحدِّيات الرقابة في الصحافة الإلكترونيَّة، هناك حاجة إلى مجموعة من الإجراءات، أبرزها تعزيز القوانين الَّتي تحمي حُريَّة التعبير وتَضْمن استقلاليَّة الإعلام وحياديَّته ومنهيَّته، إلى جانب دعم الشفافيَّة في عمل المنصَّات الرقميَّة. كما يَجِبُ تطوير أدوات التحقُّق من الأخبار، بالإضافة إلى آليَّات الحَجبِ والمَنعِ، كُلُّ ذلك في سبيل تعزيز الإعلام المهني المستقل الَّذي يعتمد على المصداقيَّة والدقَّة في نقلِ المعلومات، والأخبار، وحماية أفراد المُجتمع من المواد الإعلاميَّة الضَّارَّة، أو الَّتي لا تتفق مع قِيَم المُجتمع... ودُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.
نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
Najwa.janahi@