تقف أمام حاجز زجاجي مبهم الصورة، يتراءى من خلفه جسم نحيل غير واضح الملامح، تراقب خطواته رويدًا نحوك، تسمع صوت همهمة حانية ـ دون لغة مفهومة لدى المتلقي ـ تتسلل إلى مسامعك فتقع نغمتها الهادئة في لب قلبك.
تراقب حركاته الفريدة وهو يقوم برفرفة نمطية بيده الصغيرة، فتتساءل: عمَّا إذا كان فعلًا يشعر بوجودي أمامه؟ وهل يمنع هذا الحاجز الشاهق وصول إحساسه ومشاعره إليّ؟!.
إن هذا الشعور الاستثنائي الذي يدور في خُلد كل من يتعامل مع طفل من ذوي التوحد - سواء الوالدين اللذين رُزقا بطفل، قدّر الله أن يكون له هذا الوضع الخاص جدًّا، أو المطلعين والمختصين في مجالات الدعم والتمكين - أقل ما يمكن وصفه به هو أنه يحمل سمات لا تتكرر في أغلب الاضطرابات النمائية الأخرى.
فمن يقترب من هذا العالم يدرك أن هذا الصمت المليء بضجيج المشاعر هو لغة من نوع آخر، لا يعبّر قطعًا عن غياب الإدراك، إنه صمتٌ ممتلئ بالدهشة، يحاول فيه الطفل موازنة فوضى المثيرات الحسية من حوله.
وتلك الرفرفة التي نراها نمطية، هي في الحقيقة ميزان يضبط به استقراره النفسي، وكذا هي سائر السلوكيات؛ فلها معانٍ عميقة يختزنها في داخله، ويحاول بكافة الطرق توصيلها للآخرين بالكيفية التي تسمح بها قدراته.
إن فهم التوحد يتطلب منا صبرًا طويلًا ومراقبة واعية لكافة التصرفات؛ فالأمر يبدأ من التشخيص الدقيق الذي يجب أن يتجاوز المظاهر الخارجية ليلامس أعماق هذه النفس البشرية.
لا نتحاج البتة أن نكسر أي حاجز بيننا وبين هؤلاء الأبطال بقدر ما نحتاج لأن نتعلم كيف نفسر تلك السلوكيات التي تظهر عليهم ونعلمهم طريقة سهلة ليتمكنوا من التواصل معنا، علينا أن نعي هذه الخصائص الفريدة ونفهم رسائلهم النابعة من قلوبهم الندية.
علي بن جميل النعماني
كاتب عماني