.. ومع ماءٍ جديدٍ من أنواع الماء التي ذكرها الله تبارك وتعالي في كتابه الكريم نستكمل مسيرتنا، ألا وهو (ماء مَدْيَن)، ومعنى (ماء مَدْيَن)، كما يقول ابن كثير:(“ماء مَدْيَن” كانت بئرًا يستقون منها، و«مَدْيَن» هي المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الأيكة، وهم قوم شعيب ـ عليه السلام) (البداية والنهاية 2/ 44).
وقد أخبرنا الله تعالى عن هذا الماء مرة واحدة عندما خرج سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ ناجيًا بنفسه من فرعون وقومه أن يقتلوه، يقول تعالى: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَديَنَ وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّة مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسقِي حَتَّى يُصدِرَ ٱلرِّعَاءُۖ وَأَبُونَا شَيخ كَبِير) (القصص ـ 23)، “ لما بلغ سيدنا موسى أشده واستوى وهو احتكام الخلق والخلق وهو سن الأربعين آتاه الله حُكمًا وعِلمًا وهو النبوة والرسالة، وكان سبب خروجه من بلاد مصر وذهابه الى أرض مدين وإقامته هنالك، أنه قال تعالى:(وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها)، وذلك نصف النهار، (فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ) أي: يتضاربان ويتهاوشان، (هذا مِنْ شِيعَتِهِ) أي: إسرائيلي، (وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ) أي: قبطي، فلما استغاث ذلك الإسرائيلي موسى ـ عليه السلام ـ على ذلك القبطي أقبل اليه موسى (فَوَكَزَهُ)، قال مجاهد: أي “طعنه بجمع كفه”، (َفقَضى عَلَيْهِ) أي: فمات، فَأَصْبَحَ موسى فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ، لأن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول، فأرسل في طلبه وسبقهم رجل ناصح عن طريق أقرب، فقال: (يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ)، فخرج من مدينة مصر من فوره على وجهه لا يهتدى الى طريق ولا يعرفه قائلًا: (رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ)، وكان يتلفت خشية أن يدركه أحد من قوم فرعون وهو لا يدرى أين يتوجه ولا الى أين يذهب وذلك لأنه لم يخرج من مصر قبلها، (وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ، وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ)، وكانت بئرًا يستقون منها، و”مَدْيَن” هي المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب ـ عليه السلام، قال المفسرون:(وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة فتجيء هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس فلما كان ذلك اليوم جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده، ثم استقى لهما وسقى غنمهما ثم رد الحجر، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه: “وكان لا يرفعه إلا عشرة وإنما استقى ذنوبًا واحدًا فكفاهما”) (البداية والنهاية 1/ 243)، ويجدر بالذكر ما ذكر صاحب (السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير 3/ 91) عن مكارم الأخلاق وفضل سقيا الماء، فقال:(قال المفسرون: خرج موسى من مصر ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر والبقل حتى ترى خضرته في بطنه وما وصل إلى مَدْيَن حتى وقع خف قدميه، قال ابن عباس: وهو أوّل ابتلاء من الله تعالى لموسى ـ عليه الْسلام)،(ولما ورد) أي: وصل “ماء مَدْيَن” وهو بئر كان يسقي منها الرعاة مواشيهم، (وجد عليه) أي: الماء، (أُمّة) أي: جماعة كثيرة، (من الناس) مختلفين، (يسقون) أي: مواشيهم، (ووجد من دونهم) أي: في مكان سواهم أسفل من مكانهم، (امرأتين) عبَّر بذلك لما جعل لهما سبحانه من المروءة ومكارم الأخلاق كما يعلمه من أمعن النظر فيما يذكر عنهما، (تذودان) أي: تحبسان وتمنعان أغنامهما إذا فزعت من العطش إلى الماء حتى يفرغ الناس ويخلو لهما البئر، وقال الحسن: تكفان الغنم لئلا تختلط بغنم الناس، وقال قتادة: تكفان الناس عن أغنامهما، وقيل: لئلا يختلطن بالرجال، وقيل: كانتا تذودان عن وجوههما نظر الناظرين لتسترهما، وقيل: غير ذلك، فكأنه قيل كما قال موسى لهما، (قال) لهما رحمة لهما، (ما خطبكما) أي: ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع الناس، (قالتا لا نسقي) أي: مواشينا، وحذف للعلم به، )حتى يصدر) أي: ينصرف ويرجع، (الرعاء) أي: عن الماء خوف الزحام فنسقي، نحن امرأتان لا يليق أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض، (وأبونا شيخ كبير) أي: لا يستطيع لكبره أن يسقى فاضطررنا إلى ما ترى.. والله أعلم.
د.محمود عدلي الشريف