في الحقيقة، فإنه إذا وَقَعَتْ عينُ القارئ على أيِّ آية في كتاب الله الكريم، وبدأ يتعايش معها، ويستبطن دواخلها، ويتنسَّم عبيرها، ويعيش في أفيائها، ويقطف من ثمارها لكفته، وأفاضت عليه من عطاءاتها، بشرط أن يملأ قلبه منها، وأن يظل معها يرتشف رحيقها، ويطعم من جمالها، وكمالها، وجلالها، فالقرآن حمَّالٌ، وذو وجوه، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرَّدِّ، وكلما أخلصْتَ في حبه، ودنوْتَ من ثمره، أفاض عليك من بساتينه، وأغرقك في حدائقه، وأزاهيره، وسكب عليك من جميل رضابه، ورحيق وروده، ومسك شذاه، وراقي عبيره، وهنا نأخذ بعض كلمات من آية من سورة النحل، يقول الله تعالى فيها:(..وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل ـ 89).
الفعل: (نَزَّلْنَا) له دلالة، تختلف عن دلالة الفعل:(أَنزَلْنَا)، كما ألمح إلى ذلك علماء البلاغة، والتفسير، والصرف، فوزن (فَعَّلْنَا) بتضعيف الزاي في الموزون، أو تشديد العين في الميزان تعني التتابع، وأن النزول كان متفرِّقًّا حسب الوقائع، والأحداث، ورهن الواقع، ومشكلاته؛ حيث تنزل الآيات؛ لتبين الحكم الشرعي، والرأي الفقهي في تلك المشكلة، أو هذه المعضلة، فهو وزن يعني التتابع، والتنامي، وتواصل النزول؛ حتى ينتهي وجهُ الحكم فيها، أما وزن (أفْعَلْنا) بهمزة القطع المزيدة، فيعني النزول دفعة واحدة لكل ما يدور الحكم بشأنه، مثلًا قوله تعالى:(إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ القَدْرِ)، هذا يعني أن القرآن الكريم نزل كله دفعة واحدة في ليلة القدر، ثم بعد ذلك بدأ يتنزل حسب الوقائع، وما يَجِدُّ من أحداث، أما قوله تعالى ـ كما هو في آيتنا ـ القول الرباني:(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ) فيعني تتابع الإنزال، وبيان الحكم في تلك الواقعة على وجه الخصوص، وتلك الواقعة الأخرى على وجه التحديد، وهكذا في كلِّ نزول، بحيث تكتمل الرؤية للمؤمنين على طول القرآن الكريم، فدلالة (نَزَّلْنَا) دلالة عامة، وتامة لكل المحكيِّ عنه، بينما دلالة (نَزَّلْنَا) فتعني بيان الحكم في تلك المسألة، وتلك القضية، وتنامي الدلالات فيها حتى تعطي الرؤية متتابعة؛ ومن هنا نشأ التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، ذلك التفسير الذي يتتبَّع قصة ما، أو يتابع حكمًا شرعيًّا ما، أو يتناول نبيًّا ما من أنبياء الله، ويجمع كلَّ ما ورد عنه، ويعطينا رؤية متكاملة عنه وفق وروده في كل القرآن الكريم، ولا يفسر القرآن الكريم سورةً.. سورةً، وإنما يتناول أمرًا واحدًا في كل القرآن الكريم، ويجع كلَّ ما ورد عنه في كلِّ صفحات الكتاب العزيز، وفي الوضعين:(أَنْزَلَ، ونَزَّلَ) إعجاز لله في كتابه حيث يكون قد بَيَّنَ إحاطته بكونه، وكل ما سيحصل فيه من أول خلقه، إلى يومِ يُبْعَثُونَ، أو ينزل الحكم على كل الوقائع بيانًا لقيوميته، ورعايته، وعنايته بخلقه، وتثبيتًا لرسوله، ونبيه، فهما في حالة الإنزال، والتنزل إعجاز لله، ولرسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم.
فالله تعالى يقول:(ونَزَّلْنَا)، أيْ: تابعْنا النزولَ، وبيانَ الحكم الشرعي في كل واقعة؛ ليسعد الأحياء، ويتبيَّن لهم فيها وجهُ الحق في كلِّ حادثة، أو قضية أَقَضَّتْ مضاجعَهم، وانتظروا فيها حكمَ السماء الناجع، الشامل، الكامل، الجامع، المانع، وفيها كناية عن الرقابة الربانية الدقيقة لكل صغيرة وكبيرة في كونه الواسع، المتسع على مر السنين، وتعاقب الأزمنة، قال الله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيءٍ) (الأنعام ـ 38)، ويقول سبحانه:(وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) (النساء ـ 113).
ثم يقول الله تعالى:(عَلَيْكَ) شبه جملة متعلق بالفعل:(نَزَّلْنَا)، أو في محل نصب حال، تبيَّن أن القرآن الكريم نازلٌ من السماء، من الله على الرسول الكريم، كما توحي: (على) بعُلْوِيته، وتَسَامِيهِ، وأنه يجب أن تكون قدسيته، وسرعة العمل به حاصلة، وأن يكون محمولًا على الرؤوس؛ إجلالًا، وتوقيرًا، ومهابة، فحرف الجر:(على) تفيد الفوقية، والتبجيل، وحسن التلقِّي، والتعظيم، وهكذا شأنُ القرآن الكريم في قلب كلِّ مؤمن: أنه يضعه، وأحكامه فوق الرأس، وهو(أي: القرآن الكريم) أعلى من كلِّ رأسٍ، فقد حقق حرف الجر (على) دلالته الكريمة، ومعناه السامي، العالي، واستعمال (على) يدل على دوام فوقيته، وأنه يسعى إليه بكل تبجيل، وتوقير، وتعظيم، وتكريم، فالنزول (على) يعني ضرورة الاعتناء به، وسرعة الالتزام بما ألزمه، وفرضه، وأخذه بقوة، والعمل به بحُبٍّ، قال تعالى: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (مريم ـ 12)، فكل كتب السماء تلزم متبعيها، وتطلب إليهم وجوبَ الاعتناء، وسرعةَ الالتجاء، وضرورةَ الرعاية وتنفيذ الحكم بكل نقاء وصفاء، وبكل جلاء، ورعاية، وعناية، شكرا لله – جلَّ جلاله.
وهكذا حقَّق حرفُ الجر دلالته الظاهرة، والباطنة، السطحية، والعميقة، وعرفنا أن في استعماله كنايةً عن التعظيم، والتوقير، وشدة الاعتناء، والتقدير، وضرورة التنفيذ بكل حب، ورقابة، وحسن التزام، وتكريم، وأن على كل مسلم ألا يقدِّم بين يدي الله، ورسوله، وأن يوقِّر الكتاب العزيز حقَّ توقيره، وأن يأخذه على الصورة التي أراد الله أن تكون عليها: إجلالًا، وتعظيمًا، وتبجيلًا، وتكريمًا.
د.جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية