الأربعاء 22 أبريل 2026 م - 4 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : حين يصبح المواطن شريكا فـي صناعة الأمن والاستقرار

في العمق : حين يصبح المواطن شريكا فـي صناعة الأمن والاستقرار
الأربعاء - 22 أبريل 2026 06:18 ص

د.رجب بن علي العويسي


شكَّلت صورة الاعتدال الفكري للشخصيَّة العُمانيَّة في قراءة الأحداث الإنسانيَّة وفْقَ منهج الحوار والتأمل والبحث والأصالة والمرونة والثقافة الواعية والاستفادة من المشترك الإنساني في العلوم والآداب، ومنع مصادرة الفكر، وتعدديَّة الرأي؛ نقطة تحوُّل في مَسيرة الوعي الفكري للمواطن في سلطنة عُمان، باعتماده موجّهات واضحة، ومرتكزات أصيلة، ومسارات مقنَّنة تراعي الخصوصيَّة والهُوِيَّة، والحكمة والمهنيَّة، مستمدَّة من مبادئ الإسلام الصحيحة وقِيَم المُجتمع العُماني الأصيلة، والإرث الحضاري العُماني في كُلِّ مراحله التاريخيَّة، وهي في ثبات مرتكزاتها وعمق مبادئها وارتفاعها فوق مساحات الاجتهاد والمزاجيَّة، ممكنات حفظت تجدُّد النهضة العُمانيَّة واستمراريَّتها وجاهزيَّتها في التعامل مع مختلف المعطيات الكونيَّة المعاصرة، والمتغيِّرات الحاصلة في حياة الإنسان والمُجتمع، والموجّهات الفكريَّة الَّتي باتتْ تفرض نفْسها على الواقع الاجتماعي، خصوصًا في ظلِّ شيوع ظواهر اجتماعيَّة وفكريَّة كالإشاعة والسلبيَّة والأفكار الأحاديَّة الَّتي باتتْ تروِّجها منصَّات التواصُل الاجتماعي.

وكان لهذه التوازنات في مجريات الحياة السياسيَّة والاجتماعيَّة أثَرها في رفع درجات الوعي لدى المواطن الَّذي حفظ مكتسبات النهضة، وحافظ على حضور القِيَم والأخلاق والهُوِيَّة العُمانيَّة في كُلِّ مواقع العمل والمسؤوليَّة، وأدرك المواطن العُماني الَّذي يعيش كغيره في عالم كوني واسع، ما تُمثِّله التحدِّيات الفكريَّة من حضور في أحداث العالم المعاصر وقضاياه، والَّتي تستنزف موارد الأوطان وثرواتها، وتأثيرها على أمن واستقرار المُجتمع وصحَّة وسلامة الإنسان النفسيَّة والفكريَّة.

من هنا أصبح المواطن شريكًا أصيلًا في المحافظة على الأمن والاستقرار؛ للقناعة بأنَّه كُلَّما قوي الوعي الفكري للمواطن والتصق بالثوابت الوطنيَّة، أسْهَم ذلك في الحفاظ على المقدَّرات الوطنيَّة، والتزام الثَّوابت العُمانيَّة المعزِّزة لقِيَم المواطنة والولاء والانتماء، نظرًا لِمَا يؤسِّسه الوعي من قوَّة معرفيَّة ومنهجيَّة وتحليليَّة يستطيع من خلالها المواطن أن يحدِّد أدواره ويقف على مسؤوليَّاته، ويمتلك الممكنات والاستعدادات الَّتي تُعزِّز من دَوْره في إعادة إنتاج واقعه ورسم خريطة مستقبله، وقدرته على تجاوز الإشاعة والظواهر الفكريَّة السلبيَّة والحركات التحريضيَّة الَّتي تستهدف هُوِيَّة المُجتمع ودِينه وعقيدته وقِيَمه وأخلاقيَّاته وقناعاته، وما يُثار أو يُفتعل من قضايا حَوْلَ مواقفه وسياساته الوطنيَّة، فيعرف حقوقه ويدرك واجباته، ويحترم أفراده التزاماتهم الشخصيَّة في إطار من التشريعات والقوانين والأنظمة، وبرامج التعليم والتدريب، والاستراتيجيَّات الوقائيَّة والعلاجيَّة الَّتي تسعى في جملتها إلى رفع درجة الحسِّ الأمني وخلق وعي مُجتمعي عام حَوْلَ القضايا الَّتي باتتْ تؤثِّر سلبًا على حياة المواطن الصحيَّة والبيئيَّة والقانونيَّة والأمنيَّة.

وفي ظلِّ ما تشهده منطقة الخليج اليوم من توتُّرات إقليميَّة وتصعيد عسكري باتتْ له تداعياته الكبيرة على أمنِ المنطقة واستقرار دولها، تتأكد أهميَّة الوعي بما يصاحب هذه النزاعات المُسلَّحة والتصعيد العسكري، وغالبًا في ظلِّ اتِّساع دَوْر الفضاءات الرقميَّة والمنصَّات الاجتماعيَّة، من انتشار الأخبار المتداولة ونشر الشَّائعات والتحليلات غير الدقيقة، والَّتي قد تتحول إلى مصدر لعدم الاستقرار، والتكهنات بما تثيره من حالة من القلق والخوف، أو تشتيت الجهود الوطنيَّة الرامية إلى حفظ الاستقرار.

من هنا أكَّدتِ الجهات المعنيَّة العسكريَّة والأمنيَّة والقانونيَّة والمدنيَّة، وعَبْرَ منشوراتها والإجراءات الَّتي اتَّخذتها، على أهميَّة استحضار المسؤوليَّة الوطنيَّة في التعامل مع المعلومات المتداولة، وخصوصًا في ظلِّ ظاهرة استهداف المُسيَّرات للمنشآت الحيويَّة العُمانيَّة، من حيثُ منع تصوير الحوادث أو نشر مقاطع مرئيَّة أو صوَر لمواقع حسَّاسة، أو تداول معلومات غير مؤكدة حَوْلَها، ممَّا قد يعرِّض مرتكبيها للمساءلة القانونيَّة لِمَا قد يسبِّبه من إخلال بالأمن العام.

وفي الوقت نفْسه تبرز أهميَّة استقاء الأخبار والمعلومات من المصادر الرسميَّة والموثوقة فقط، والابتعاد عن التحليلات الشخصيَّة والتكهنات الَّتي قد لا تستند إلى حقائق واضحة، فالمعلومة الدقيقة في ظلِّ هذا التصعيد عنصر أساس في حماية الاستقرار، وتعزيز الثقة بَيْنَ المُجتمع ومؤسَّساته. لذلك جاءت توجيهات الجهات المختصَّة على أهميَّة التعاون المُجتمعي في رصد أيِّ مشاهدات غير مألوفة قد تتعلق بالأمن العام، مثل رصد طائرات مُسيَّرة أو أجسام مشابهة في الأجواء أو بالقرب من المنشآت الحيويَّة، حيثُ يُعَدُّ الإبلاغ الفَوري عنها سلوكًا مسؤولًا يُسهم في تعزيز منظومة الأمن والسَّلامة العامَّة.

أخيرًا، فإنَّ المُجتمع الواعي شريك في منظومة الأمن والاستقرار، وعيونه اليقظة تُشكِّل دعمًا مهمًّا لجهود المؤسَّسات المختصَّة في حماية الوطن واستقراره وصون مقدَّراته. ومن هنا تبرز أهميَّة تعزيز السياسات الناضجة، والتشريعات الحاكمة في التعامل الواعي المقنَّن مع المنتج الفكري للشَّباب بما يحفظ الحقوق ويؤصِّل مبدأ الواجبات والالتزامات، ويعكس الشخصيَّة العُمانيَّة في سلامها وحوارها وأخلاقها وترفعها فوق دركات الخلاف وشطحات الاختلاف، فيستشعر في سلوكه عَبْرَ الفضاءات الرقميَّة مسؤوليَّته الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة والوطنيَّة، وثوابته ومبادئه وحسَّه الوطني، ويجسِّد فيها مصداقيَّة محتواه بما يَقُوم بنشرِه أو التغريد به مجسِّدًا أخلاق الإنسان وأصالة السَّمْت العُماني، كما يتعامل مع ما يتلقَّاه عَبْرَ هذه المنصَّات من أفكار أو يتداول من افتراءات وأكاذيب، أو يُشاع من أحداث، أو يواجهه من إشاعات وتحريضات ومساومات تستهدف وطنه، وتَمسُّ الثوابت والخصوصيَّة العُمانيَّة، بمزيدٍ من الوعي المعزَّز بالتَّحليل والرَّصد والتَّفنيد للمزاعم والمعلومات المغلوطة، وامتلاك أدوات التأثير والإقناع، وعُمق الطرح المستند إلى الحقائق والمؤشِّرات ولُغة الأرقام والإحصائيَّات.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]