الأربعاء 22 أبريل 2026 م - 4 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : التراث.. جسر يمتد من الأمس للغد

أضواء كاشفة : التراث.. جسر يمتد من الأمس للغد
الثلاثاء - 21 أبريل 2026 05:45 ص

ناصر بن سالم اليحمدي

300



حين يسقط ضوء الحاضر على الحجارة العتيقة فإنَّها تستيقظ من سُباتها لِترويَ حكايات لا تزال تنبض بالحياة، وذكريات لا تموت، وتظلُّ أبَدَ الآبدين في الوجدان والعقول.. وهكذا هي المُقوِّمات التراثيَّة التاريخيَّة العُمانيَّة فإنَّها بالنسبة لنا ليستْ أثرًا جامدًا، بل روح حيَّة متجدِّدة تنطق بالعراقة والأصالة الخالدة.

وافتتاح معالي السَّيد إبراهيم بن سعيد البوسعيدي وزير التراث والسياحة مؤخرًا لمتاحف قلعة بهلا ليس مجرَّد تدشين لمرافق ثقافيَّة، بل كان إعلانًا جديدًا عن فلسفة عُمانيَّة عميقة ترى في التراث تلك الروح النقيَّة الرَّاقية الَّتي تروي أمجاد الأجداد.. فقلعة بهلا تلك الَّتي طالما وقفتْ شامخةً في وجْه الزمن لم تَعُدِ اليوم مجرَّد شاهد على ماضٍ مَجيد، بل تحوَّلت إلى فضاء متجدِّد يُعِيد صياغة العلاقة بَيْنَ الإنسان وتاريخه.. وهنا لا يُعرض التراث كذكرى، بل يُعاش كتجربة.. فقد فتحت المتاحف أبوابها للزائر لا ليرى فقط، بل لِيفهمَ ويتأمل ويتحاور مع طبقات من الحكايات الَّتي نسجَتْها القرون.

إنَّ قلعة بهلا المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو تحوَّلتْ إلى منظومة تتكامل فيها مفرداتها من المتاحف المتخصِّصة لِترسمَ الصورة المضيئة للموروث الثقافي العظيم.. فمن متحف المقتنيات في البيت الحديث لمتحف الأبواب التقليديَّة في القصبة، لمتحف النيازك في بيت الجبل، لمتحف العسل العُماني في برج الجص، لمتحفَي الأسلحة التقليديَّة والمخطوطات.. فكُلٌّ منها يروي قصَّة نجاح وكفاح تكمل المَسيرة المظفَّرة للأجداد العظماء.

لا شك أنَّ هذا التَّوَجُّه الَّذي تنتهجه سلطنة عُمان يعكس وعيًا حضاريًّا نادرًا، حيثُ لا ينظر إلى التراث بوصفه عبئًا من الماضي، بل مورد استراتيجي للمستقبل.. فإعادة توظيف المواقع التاريخيَّة كمنصَّات ثقافيَّة واقتصاديَّة هو فعل يجمع بَيْنَ الوفاء للأصالة والانفتاح على الحداثة، ويؤكِّد أنَّ الهُوِيَّة ليست قيدًا، بل جسر نَحْوَ الإبداع.

ولعلَّ الأهمَّ من ذلك أنَّ هذا الاهتمام لا يقتصر على قلعة بهلا وحدها، بل يمتدُّ لِيشملَ مختلف مفردات المشهد العُماني من مواقع أثريَّة وقلاع وحصون إلى الفنون التقليديَّة والحِرف اليدويَّة والموروثات الشَّعبيَّة، والطبيعة الغنيَّة الَّتي تتناغم مع الإنسان منذ قرون.. فالسَّلطنة تتعامل مع تراثها بوصفه منظومة متكاملة تتشابك فيها الثقافة مع السياحة.. والتاريخ مع الحاضر.. لِتشكِّلَ هُوِيَّة وطنيَّة نابضة بالحياة.

لقد أدركت سلطنة عُمان أنَّ حماية التراث لا تعني فقط صيانته من الاندثار، بل إدماجه أيضًا في الحياة اليوميَّة وجعله جزءًا من الحركة الاقتصاديَّة والسياحيَّة.. وهكذا تتحول القلاع والحصون من صروح صامتة إلى مراكز إشعاع ثقافي تثري الوعي، وتُسهم في تنويع مصادر الدخل، وتفتح آفاقًا جديدة أمام المُجتمعات المحليَّة.

وهنا يثور تساؤل مهمٌّ وهو: إنَّ السَّلطنة ـ بفضل الله ـ تمتلك أكثر من ألف قلعة وحصن وبرج، لكن للأسف (11%) منها فقط يتمُّ الترويج لها سياحيًّا بحسب المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، فلماذا لا يتمُّ تحويل هذا الموروث الضخم لوسيلة سياحيَّة فعَّالة تصبح رقمًا في الناتج المحلِّي؟.. فمن المعروف أنَّ السياحة أصبحتْ صناعة قائمة على الاستثمار وصارت تدرُّ دخلًا لا يقلُّ أهميَّة عن أيِّ مصدر اقتصادي آخر للصناعات المختلفة؟.. فلماذا لا يتمُّ استغلال هذا الكمِّ الكبير من الموروث التاريخي لِيصبحَ مصدرًا اقتصاديًّا قابلًا للاستثمار؟

نحن على يقين بأنَّ وزارة التراث والسياحة لا تألو جهدًا من أجلِ الحفاظ على تراثنا العريق ومحاولة الاستفادة منه.. ولكن ما زال هناك الكثير من المفردات التراثيَّة تحتاج لتسليطِ الضوء عليها حتَّى يتمَّ تعريف العالم أجمع بما تمتلكه السَّلطنة من إرث عظيم، خصوصًا لو تضمَّن برنامج زيارة السائح لمُعْظم هذه المُقوِّمات الرائعة فسيشعر بأنَّ البرنامج ثري، ويُصبح هذا عامل جذب جديد للسيَّاح.. فكما يتضمن البرنامج قلعة نزوى ومطرح وبهلا وجبرين ونخل يَجِبُ أن يتضمن أيضًا مئات المواقع التاريخيَّة الَّتي تُعَبِّر عن هُوِيَّتنا الثقافيَّة والحضاريَّة.

مبارك على أهالي بهلا المتاحف الجديدة.. فقد أصبح المشهد لا يختصر في جدران مرمَّمة أو قاعات عرض حديثة، بل يتجاوز ذلك إلى رؤية متكاملة تُعِيد الاعتبار للإنسان بوصفه حامل التراث وصانعه.. فكُلُّ زاوية في القلعة تحكي قصَّة.. وكُلُّ قطعة معروضة تحمل أثَرَ يدٍ صنَعَتْها.. وكُلُّ تفصيل صغير يعكس علاقةً عميقة بَيْنَ الأرض وأهلها.

إنَّ افتتاح متاحف قلعة بهلا هو في جوهره رسالة ثقافيَّة تقول إنَّ الأُمم الَّتي تعرف كيف تحفظ ذاكرتها هي ذاتها الَّتي تستطيع أن تكتبَ مستقبلها بثقة.. وسلطنة عُمان وهي تمضي في هذا المسار تؤكِّد أنَّ التراث ليس مجرَّد ماضٍ يُروى، بل طاقة تُستثمر وهُوِيَّة تُصان وجسر يمتدُّ من الأمس إلى الغد.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني