يُعِيدُ الابتكار تشكيل مفهوم النُّمو الاقتصادي في سلطنة عُمان؛ بوصفه أصلًا إنتاجيًّا قائمًا على المعرفة يتحرك بمنطق القِيمة والعائد ويَقُود مسار التحوُّل نَحْوَ اقتصاد أكثر تنوُّعًا واستدامة. ويأتي الاحتفاء باليوم العالمي للإبداع والابتكار لِيمنحَ هذا التَّوَجُّه بُعدًا عمليًّا يعكس إدراكًا متناميًا لأهميَّة توظيف التفكير الإبداعي والتكنولوجيا في تحقيق التنمية المستدامة، حيثُ تتكامل الجهود الوطنيَّة لترسيخِ بيئة بحث علمي قادرة على توليد حلول عمليَّة تدعم القِطاعات الحيويَّة، وتفتح مساحات جديدة للاستثمار، في مشهدٍ يعكس انتقالًا واضحًا من التعامل مع الابتكار كقِيمة معنويَّة إلى اعتباره ركيزةً اقتصاديَّة تؤثِّر بشكلٍ مباشر في كفاءة الإنتاج وقدرة السُّوق على المنافسة. ومع هذا التحوُّل تتقدم سلطنة عُمان بخطوات محسوبة نَحْوَ بناء منظومة معرفيَّة متكاملة تُعزِّز موقعها في سلاسل القِيمة العالميَّة، وتمنح اقتصادها مرونةً أعلى في مواجهة التحدِّيات، وتؤسِّس لمرحلة يصبح فيها امتلاك المعرفة وتوظيفها هو العامل الحاسم في تحقيق النُّمو وصناعة الفرص.
وتتحول مخرجات البحث العلمي في سلطنة عُمان إلى مسار اقتصادي قابل للتطبيق من خلال ربطها المباشر باحتياجات السُّوق والقِطاعات الإنتاجيَّة، حيثُ تتقدم مبادرات وطنيَّة مثل برنامج «إيجاد» وبرنامج «أبجريد» كنماذج عمليَّة تُعِيدُ تعريف دَوْر البحث العلمي بوصفه أداة إنتاج لا نشاطًا أكاديميًّا منفصلًا؛ إذ تستهدف هذه البرامج تحويل عشرات المشروعات البحثيَّة ومشروعات التخرُّج سنويًّا إلى شركات ناشئة، مع توفير دعم مالي وفنِّي يمتدُّ لعدَّة أشْهُر وصولًا إلى مراحل التسويق والدخول الفعلي للسُّوق، في وقتٍ تُشير فيه المؤشِّرات العالميَّة إلى أنَّ الاقتصادات القائمة على الابتكار تُحقق ما يزيد على (50%) من ناتجها من الصناعات المعرفيَّة، وهو ما يضع التَّوَجُّه في موقع حاسم لتعزيز القِيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني، ورفع كفاءة القِطاعات الإنتاجيَّة، وتحويل المعرفة من مخزون نظري إلى أداة توليد دخل وفرص عمل ونُمو مستدام.
إنَّ بناء منظومة ابتكار متكاملة يتقدم بوصفه خيارًا استراتيجيًّا يُعِيدُ توزيع الأدوار بَيْنَ الدَّولة والسُّوق، حيثُ تعمل هيئة البحث العلمي والابتكار على تصميم بيئة ممكنة تضمُّ الحاضنات والمسرِّعات والبنية الرقميَّة، وتدعم تكامل الجهود بَيْنَ المؤسَّسات الأكاديميَّة والقِطاع الخاصِّ، مع نماذج تطبيقيَّة مثل مجمَّع الابتكار مسقط الَّتي توفِّر بنية أساسيَّة متقدِّمة لتحويل الأفكار إلى منتجات قابلة للتسويق. ويعكس التَّوَجُّه تحوُّلًا واضحًا نَحْوَ تمكين السُّوق من قيادة الابتكار عَبْرَ أدوات مؤسَّسيَّة تُعزِّز الكفاءة وترفع جاهزيَّة المشروعات للنُّمو، بما يُسهم في بناء اقتصاد أكثر مرونة يعتمد على المعرفة والتقنيَّة، ويستند إلى شراكات فاعلة قادرة على إنتاج قِيمة مضافة مستدامة.
ولعلَّ الشَّيء اللافت في تلك المرحلة هو تحوُّل الابتكار إلى أداة سيادة اقتصاديَّة تُعِيدُ رسم موقع سلطنة عُمان في خريطة التنافس العالمي، مع ارتباطه المباشر بقِطاعات حيويَّة مثل الغذاء والطَّاقة والصحَّة، بما يُعزِّز القدرة على التحكُّم في مفاتيح الإنتاج والمعرفة، ويدعم بناء مزايا تنافسيَّة مستدامة في اقتصاد عالمي سريع التغيُّر، ويفتح المجال أمام توطين التقنيَّات ورفع كفاءة سلاسل القِيمة وتحقيق قدر أعلى من الاكتفاء الإنتاجي، كما يضع هذا المسار هدف التقدُّم في مؤشِّر الابتكار العالمي أمام اختبار حقيقي يرتبط بكفاءة التنفيذ وتسريع تحويل المعرفة إلى قِيمة اقتصاديَّة، حيثُ يُصبح ترسيخ ثقافة الابتكار على مستوى المُجتمع عاملًا حاسمًا في نقل هذه الجهود من إطار السياسات إلى نتائج ملموسة، بما يدعم النُّمو ويُعزِّز قدرة الاقتصاد الوطني على التكيُّف مع التحوُّلات العالميَّة وصناعة فرص مستقبليَّة أكثر استقرارًا.