علاقة الحُريَّة بالوعي الاجتماعي علاقة عضويَّة، فلا يصل الفرد إلى مرحلة الوعي والشعور بالمسؤوليَّة إلَّا إذا وظَّف مساحة الحُريَّة المتاحة له في المُجتمع؛ باعتبارها صمام أمان، تستند إلى قواعد وأُسُس واضحة، ومنطلقات وموجِّهات وضوابط حاكمة. كما أنَّ قدرة المُجتمع على ممارسة حُريَّاته في إطار من الحكمة والمهنيَّة والقِيَم والأخلاق، وإدراك المصالح الوطنيَّة، وانتزاع أنانيَّة النفْس، والنزول نَحْوَ مصلحة المُجتمع، تتطلب وعيًا حقيقيًّا بها وضبطًا لموجِّهاتها.
لذلك فإنَّ الوعي والحُريَّة وجهان لعملة واحدة، وهي الوصول بالمُجتمع إلى القوَّة الفكريَّة، والنضج المعرفي، والسُّمو الأخلاقي؛ مُجتمع يصنع الإرادة، ويؤمن بالمنافسة، ويستفيد من الخبرة، ويُتقن الإنتاج، ويطوِّر أدواته، ويخلِص في مهامه، ويَبني علاقة ودٍّ مع مؤسَّساته وقيادته، ويَضْمن الاستفادة من موارده، والاستثمار في كفاءاته البشريَّة. وعندها تصبح الحُريَّة مساحة الأمان الَّتي تتيحها الدَّولة للمواطن لِيمارسَ فيها أدواره ومسؤوليَّاته بكُلِّ اختيار ورغبة وشعور بالمسؤوليَّة، مع الاحتفاظ بسقف التفاعل الواعي معها، في ظلِّ ما يقرُّه التشريع ويحتكم إليه القانون. وهي مساحة، إنِ استغلَّها المواطن بالشكل المناسِب، وصنع لها الخيارات الدَّاعمة لنُموِّها وتفوُّقها، تكُونُ مؤهلةً لأن تصل به إلى بلوغ أهدافه وتحقيق غاياته.
إنَّ التأكيد على التكامل بَيْنَ الوعي والحُريَّات مطلب اجتماعي وأولويَّة وطنيَّة لكُلِّ الشعوب الَّتي تسعى لأن يكُونَ لها في عالم اليوم حضور فاعل، ونشاط مؤثِّر، ووزن يرسم لها طريق النجاح ومنهج الإخلاص، ويؤسِّس لمجالات أكبر للشراكة، والتصالح مع النفْس، والثقة في الحوار، والمصداقيَّة في اللقاء، والاعتراف بحقِّ الآخر في العيش والحياة والوجود والتعليم والصحَّة. وعندها يصبح الوعي والحُريَّات المسؤولة مسارًا لتصحيحِ الواقع وتعميق روح المسؤوليَّة وحسِّ التنمية، في ظلِّ حكمة عقل، ورقابة ضمير، وشعور إنسان. فيأخذ بمنظور الحُريَّة لِيُعليَ سقف المطالب المشروعة وفْقَ مبادئ العدالة والمساواة والحقوق، وتُصبح الحقوق نتاجًا لقدرة الإنسان على تحقيق أولويَّات وجوده والمهام المطلوبة منه نَحْوَ مُجتمعه ونهضة أُمَّته، وقدرته على نقل مساحات التعايش والتمكين والحوار إلى سلوك يومي ومنهج حياتي يظهر في أقواله وأفعاله وردوده وإخلاصه والتزامه وانضباطه وهُوِيَّته وسُلوكه وأخلاقه في حفظ الحقوق وأداء الواجبات والقيام بالمسؤوليَّات. فيتعامل معها بوعي ومهنيَّة، ويحميها، ويحفظ توازنها، ويوجِّه مسارها، ويضبط آليَّات عملها، ويؤصِّلها في المُجتمع بطريقة تَضْمن قدرة هذه المساحات من الحُريَّات على تحقيق الأمان النفْسي والفكري والجسدي له.
كما أنَّ طريقة تفاعل البعض مع مفهوم الحُريَّات على أنَّها حقٌّ مكتسب، لا تبيح له أن يصنعَ منها ملحمةً بطوليَّة أو شهرة مزيَّفة لا أخلاقيَّة، أو مدخلًا للفوضى، أو منطلقًا للإشاعة، أو دعوة لكسر القانون وتجاوزه، أو سقوطًا في هاوية التنازع والاختلاف، أو ركونًا إلى البحث عن السلبيَّات وإنكار جهود التنمية، أو دعوة للفرد إلى الانسلاخ من مبادئه وقِيَمه وأخلاقه وأعرافه. فإنَّ الحُريَّات الَّتي لم يصاحبها الوعي، أو تقترن بها الأخلاق، أو تحتويها الهُوِيَّات، أو تضمُّها العقول الناضجة والضمائر الحيَّة والأذواق الرَّاقية، هي حُريَّات مبتورة تفتقد إلى الوعي الَّذي يُعزِّز فيها منحى الإنسانيَّة، ويُلبسها ثوب الأخلاق والقِيَم، ويؤصّل فيها أخلاقيَّات الإنسان وفضيلة الرُّشد. وهي بيئة أسيرة للفوضى، ومساحات خصبة للجراثيم الفتَّاكة، وموطن لتكاثر روائح الكراهية والإثارة.
عليه، فإنَّ وجود الوعي دليل على وضوح الأهداف، ورُقي الأدوات، ودقَّة تحقيقها، ووجود شراكة مُجتمعيَّة من كُلِّ الفئات نَحْوَ بلوغ مستويات أعلى من الأمان النفْسي والأمن الإنساني. فيُصبح التَّوَجُّه لصالحِ استدامة التنمية، وتأصيل منظومة قِيَميَّة أخلاقيَّة، والمحافظة على سيادة الدَّولة ووحدة الوطن وكرامة الإنسان، وتوجيه الممارسات نَحْوَ انتقاء أفضلها بما يحفظ لحمة المُجتمع وتكاتف أبنائه، وبالتَّالي تكوين حالة من التريُّث والتَّأنِّي في معالجة القضايا الشائكة، وتجنُّب الاندفاع والحكم المسبق على ممارسات الطرف الآخر، وكفّ اليد واللسان عن التطاول على المصالح الوطنيَّة العُليا، أو العبث بمقدّرات المُجتمع، أو التأثير على الناس بأفكار أحاديَّة وفرض سُلطة الأمر الواقع.
أخيرًا، فإنَّ الحُريَّات المسؤولة الَّتي تحتاجها مُجتمعات اليوم في حلِّ الأزمات الَّتي تلاحقها، إنَّما تَقُوم على معادلة التوازن بَيْنَ الوعي والحُريَّة؛ كونها المعادلة الأقوى في حلحلة سُوء الفهمِ الحاصل حَوْلَ قضايا الحُريَّات الدينيَّة والأخلاقيَّة والاجتماعيَّة والفكريَّة والاقتصاديَّة والسلوكيَّة، والتفسيرات والتأويلات ووجهات النظر بشأنها. فهما معًا يغرِّدان داخل سرب الوطن، وينهضان بسواعد أبنائه في مواجهة حالة التغريب الَّتي تشهدها الأوطان. فالتفاعل الإيجابي الحاصل بَيْنَ الحُريَّات المسؤولة والوعي الاجتماعي هو ما ينقل المُجتمعات إلى الاهتمام بالأولويَّات، والتعامل مع التحدِّيات بكُلِّ ثقة، إذ تقرأ الوطن في رؤية مكبرة، وتتفاعل مع الممارسات الحاصلة بكُلِّ حكمة وثقة بقِيمة الحوار والتصالح والتفاهم. فيُصبح المقصد ترجمةً حقيقيَّة لمُجتمع يَسُوده الأمان والاستقرار، ويحتكم أبناؤه إلى معايير وقِيَم يتقاسمون المشترك بَيْنَهم ليبنوا في ظلها منظومة الثوابت الَّتي بها يتقدم المُجتمع ويتطور. فأمْنُ الوطن ووحدة أرضه وترابه خط أحمر لا يصحُّ تجاوزه بأيِّ نمط من أنماط التفكير أو أيِّ أُسلوب من أساليب الترويج، فإنَّ أيَّ ممارسة باِسْمِ الحُريَّة لا ينبغي أن تتجاوز إطار المقبول مُجتمعيًّا، أو أن تتقاطع سلبًا مع هُوِيَّة المُجتمع ومعاييره وأحكامه.
د.رجب بن علي العويسي